أول خط تماس هو النفط. في الأيام التي سبقت الضربة كانت الأسعار ترتفع على وقع التوتر واحتمال الانزلاق العسكري، ومعها بدأت المؤسسات المالية تضع سيناريوهات قفزات إضافية إذا وقع أي انقطاع ملموس في المعروض. تقديرات مصرفية أشارت إلى أن برنت قد يلامس 80 دولاراً للبرميل إذا نتج عن التصعيد تعطّل يقارب مليون برميل يومياً، وهي عتبة “صغيرة” رقمياً لكنها كافية لقلب موازين سوق كان يتوقع فائضاً.
وفي منطق الأسواق، المشكلة ليست فقط في البراميل التي قد تختفي، بل في كلفة إيصال البرميل المتبقي، إذ ترتفع أجور الناقلات وأقساط “مخاطر الحرب” حتى قبل أن تتوقف الشحنات فعلياً.
في هذ السياق، بدأت شركات التأمين البحري رفع أسعار تغطية مخاطر الحرب للسفن العابرة للخليج العربي ومضيق هرمز، مع توقعات بأن تصل الزيادات إلى نحو 50% خلال الأيام المقبلة، وسط تصاعد التوتر بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران. ونُقل عن وسطاء تأمين قولهم ان شركات أصدرت إشعارات إلغاء نادرة السبت، تمهيداً لإعادة تسعير التغطيات على نحو أعلى مع استئناف التداولات الأسبوعية.
وحسب الارقام، كانت كلفة التأمين على عبور الخليج تدور قرب 0.25% من قيمة استبدال السفينة، قبل أن تتجه للارتفاع بنحو النصف.
الممرات البحرية هي العقدة التي تختصر القصة. مضيق هرمز يبقى نقطة الاختناق الأهم لصادرات الخليج، وأي إشارات إلى تعطيل أو تضييق أو حتى تشويش وتهديدات أمنية كفيلة برفع كلفة التأمين والشحن وإعادة رسم مسارات الناقلات.
هذا النوع من الصدمات لا يظهر فقط في سعر الخام الفوري، بل أيضاً في هوامش النقل وفوارق الأسعار بين مناطق الاستهلاك، ما يضغط على سلاسل الإمداد عالمياً ويعيد فتح باب “تضخم الاستيراد” في الدول الكبرى. ويضع احتمال تعطّل المرور في مضيق هرمز أسواق الطاقة أمام سيناريو صادم.
المضيق يُعد الشريان الأهم لصادرات النفط في العالم، إذ يربط كبار منتجي الخليج بخليج عُمان وبحر العرب، ما يجعل معظم صادرات المنطقة البحرية بلا بديل فعلي. وتشير تقديرات بلومبيرغ إلى أن نحو 16.7 مليون برميل يومياً من الخام والمكثفات عبرت المضيق في 2025، مع توجه الحصة الأكبر نحو آسيا.
ولا يقتصر الوزن على النفط، إذ يمر عبره أيضاً جزء كبير من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وخصوصاً شحنات قطر.
من حيث الاعتماد، تستطيع السعودية تخفيف جزء من الخسارة عبر خط أنابيب الشرق–الغرب إلى البحر الأحمر بطاقة تقارب 5 ملايين برميل يومياً، كما تمتلك الإمارات خط حبشان–الفجيرة إلى خليج عُمان بطاقة تقارب 1.5 مليون برميل يومياً.
قانونياً تمنح اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار حق السيادة حتى 12 ميلاً بحرياً، وتُلزم بعدم عرقلة المرور في المضائق الدولية، إلا أن إيران وقّعت الاتفاقية من دون مصادقة برلمانية. ومع ذلك، يمكن لطهران تعطيل الحركة من دون “إغلاق رسمي” عبر رفع مستوى المخاطر، من مضايقات محدودة إلى استهداف بالصواريخ أو المسيّرات أو زرع ألغام، إضافة إلى التشويش على إشارات الملاحة الذي سُجلت اضطرابات واسعة بسببه خلال مواجهات سابقة.
اقتصادياً تصف بلومبيرغ الإغلاق الكامل لأكثر من أيام قليلة بأنه سيناريو كارثي لأسواق الطاقة. وتقديرات سوقية نقلت عن محللين تشير إلى أن تعطّل يوم واحد قد يدفع الأسعار إلى نطاق 120–150 دولاراً للبرميل، بعدما كان خام برنت يدور منذ بداية 2026 حول متوسط يقارب 67 دولاراً قبل ضربات 28 شباط 2026. وفي الوقت نفسه قد يرتدّ الإغلاق سريعاً على إيران نفسها عبر شلّ صادراتها النفطية، مع حساسية خاصة لموقف الصين بوصفها أكبر مشترٍ للخام الإيراني، إذ إن تعطّل الإمدادات قد يفاقم الكلفة السياسية والاقتصادية للصراع.
يُظهر تحليل أعدته “بلومبرغ” لبيانات الشحن خلال الفترة من 1 إلى 6 اذار أن حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز تراجعت بأكثر من 85% مقارنةً بالفترة ذاتها من العام الماضي؛ ويبدو أن نحو خُمس هذه الرحلات جرى في ظل إيقاف نظام التعريف الآلي.
الذهب
الذهب يتحرك على سكة مختلفة لكن بالمنطق نفسه. حين تزداد احتمالات التصعيد الإقليمي، يرتفع الطلب على الملاذات الآمنة، ويصبح الذهب مرآة للخوف بقدر ما هو أداة تحوّط من التضخم وتقلب العملات. تقارير أسواق عدة ربطت صعود المعدن الأصفر بموجة انتقال رؤوس الأموال إلى الأمان مع تصاعد توترات الشرق الأوسط. في المقابل، يبقى الاتجاه النهائي للذهب رهناً أيضاً بمسار الفائدة الأميركية وبيانات التضخم، لأن ارتفاع العائد الحقيقي يحدّ عادةً من شهية المعدن، بينما الحرب ترفع شهية التحوط. هنا تُصبح الصورة خليطاً من عاملين متعاكسين يرفعان التذبذب.
الأسهم
أما الأسهم، فتتعامل مع الحرب كضريبة على النمو. تاريخياً، أول رد فعل يكون “نفوراً من المخاطر” عبر بيع قطاعات حساسة لكلفة الطاقة والنقل، وصعود نسبي لأسهم الطاقة والدفاع وبعض شركات الخدمات المرتبطة بالسلع. لكن الأثر الأوسع يتوقف على سؤال واحد، هل هي ضربة محدودة أم حرب مفتوحة. إذا بقيت الضربات ضمن سقف يمكن احتواؤه من دون تعطيل مسارات النفط، قد تُهضم الصدمة سريعاً. ومع توسع دائرة الاستهداف والرد، نشهد انتقالاً من تصحيح محدود إلى إعادة تسعير أشمل للمخاطر، بما يشمل الائتمان وأسعار الاقتراض للشركات والدول.
التضخم
التضخم هو الحلقة التي تهم الجميع لأنها تُترجم فوراً على فواتير الناس. أي ارتفاع مستدام في النفط يمر عبر المحروقات والنقل ثم الغذاء والكهرباء، وقد يدفع البنوك المركزية إلى التريث في خفض الفائدة أو حتى تشديد نبرتها إذا ارتفعت توقعات التضخم. هذه ديناميكية حساسة لأنها تعني عملياً أن الحرب لا ترفع الأسعار فقط، بل قد تُبقي تكلفة المال مرتفعة مدة أطول، ما يبطئ الاستثمار والاستهلاك في الاقتصادات الكبرى.
في المقلب الإيراني، “أوراق طهران” ليست اقتصادية فقط، لكنها تُترجم اقتصادياً بسرعة. الأداة الأكثر تأثيراً هي تهديد الملاحة وما يرتبط به من رفع كلفة التأمين والشحن، إضافة إلى الضغط عبر شبكة الحلفاء الإقليميين بما يخلق نقاط توتر متعددة تزيد عدم اليقين. هذا النوع من الردود لا يحتاج إلى إغلاق كامل للمضيق كي يوجع السوق، لأن السوق يستجيب للتهديد كما يستجيب للحدث.
الخليج والقبضة الأميركية
الخليج، بدوره، لا ينظر إلى الحرب كعنوان سياسي مجرد، بل كمعادلة مصالح. على المدى القصير قد يستفيد مالياً من ارتفاع النفط إذا استمر التصدير، لكن المخاطر تكمن في سيناريو تعطيل الشحن أو استهداف البنى، وفي ارتفاع كلفة التأمين والاستثمارات الجديدة، وفي هروب رأس المال إذا اتسعت رقعة النار. وفي الوقت نفسه، تعتمد دول الخليج على مظلة أمنية دولية وعلى استمرار تدفقات الطاقة للأسواق الكبرى، ما يجعل الهدف العملي تجنب حرب طويلة تضع صادراتها تحت الاختبار، حتى لو تبدلت موازين القوة الإقليمية. من ناحية أخرى، كان الخليج يحبذ استمرار المحادثات مع إيران، إذ لا يفضل أبدا وقوع المنطقة بأسرها في قبضة اليد الأميركية، وخلفها الإسرائيلية، وهذا ما سيظهر تباعا خلال الأيام المقبلة، إذ إنّ الإدارة الاميركية تتخوف من أن يشكل مقتل خامنئي إدارة إيرانية أكثر تشددًا، تكلّفها فاتورة قاسية مستقبلا.
الصورة الآن تُختصر بثلاث إشارات ستحدد المسار خلال أيام لا أشهر. مدى اتساع الرد الإيراني، مستوى اضطراب الملاحة والتأمين في هرمز، وقدرة واشنطن وحلفائها على إبقاء صادرات الخليج مستقرة. إذا تراجعت المخاطر على خطوط الشحن، قد تعود الأسواق إلى منطقها التقليدي سريعاً. وإذا بقيت الممرات تحت تهديد فعلي أو مكلف، فسنكون أمام موجة أسعار جديدة عنوانها النفط أولاً ثم التضخم، ومعها اختبار قاسٍ لأسواق الأسهم حول العالم.
المصدر:
خاص لبنان 24










اترك ردك