وقال ان «التحويلات بالدولار شهدت تراجعا ملحوظا خلال الأسابيع الأخيرة، مع تسجيل انخفاض أولي تجاوز 5 في المئة، وسط تقديرات بإمكانية تفاقم هذا التراجع ليصل إلى حدود 15 في المئة إذا استمرت المواجهات، وهذا الامر محل متابعة المعنيين بالملف اللبناني في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي».
وربط المصدر هذا التراجع بحالة «عدم اليقين التي تسيطر على اللبنانيين في الخارج، إضافة إلى المخاوف من توسع رقعة الحرب، ما يدفع إلى التريث في ضخ الأموال أو تحويلها، فضلا عن تأثر القطاعات الإنتاجية والخدماتية في الداخل نتيجة النزوح الواسع وتعطل النشاط الاقتصادي في مناطق أساسية».
وتابع: «تتجه المؤشرات الاقتصادية العامة نحو مزيد من التدهور، مع دخول الاقتصاد مرحلة انكماش واضحة تتراوح تقديراتها بين 7 و10 في المئة، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع المداخيل، وهذا ما يعكس ترابطا مباشرا بين المسار العسكري في الجنوب والوضع المالي – النقدي في البلاد».
في الشارع، لا تحتاج المؤشرات إلى تقارير اقتصادية معقدة. يكفي التوقف عند محطات الوقود، حيث تتبدّل الأرقام بسرعة مقلقة، أو ركوب سيارة أجرة، حيث تتضاعف التعرفة بشكل متسارع، أو التجول في أسواق الخضار، حيث باتت الأسعار تسبق قدرة الناس على الشراء. هناك، يُقاس حجم القلق، وتُترجم المخاوف أرقامًا يومية.
تشير مصادر سياسية إلى مجموعة أسباب تضافرت لتدفع بهذا الانفلات. أولها اعتماد لبنان شبه الكامل على الاستيراد، ما يجعله رهينة أي اضطراب إقليمي. ومع تصاعد المخاطر، ترتفع كلفة الشحن والتأمين، وتتعرقل سلاسل الإمداد، فتُضاف أعباء جديدة تنعكس مباشرة على أسعار السلع.
وثالث الأسباب، الارتفاع العالمي في أسعار النفط، فقد وجد طريقه سريعًا إلى الداخل اللبناني، فارتفعت أسعار البنزين والمازوت، ومعها كلفة النقل. تعرفة سيارات الأجرة التي كانت تُعد مقبولة نسبيًا، قفزت إلى نحو مئتي ألف ليرة، وهي مرشحة لمزيد من الارتفاع، ما يجعل التنقل نفسه عبئًا يوميًا إضافيًا.
في موازاة ذلك، تجاوزت أسعار الخضار والفواكه قدرة الفئات الفقيرة وذوي الدخل المحدود، ليجد المواطن نفسه أمام معادلة قاسية: دخل ثابت في مواجهة أسعار لا تعرف الثبات. حتى أبسط السلع، فقدت حصانتها، وكأن السوق فقد توازنه بالكامل.
تحذير ومخاوف
وقد حذر أحد أبرز تجار المواد الغذائية السيد محمد البقاعي، من تداعيات التصعيد العسكري على الواقع الاقتصادي في لبنان، لافتًا إلى أن كل المؤشرات تنذر بارتفاع الأسعار واحتمال نقص في السلع الأساسية، رغم استمرار الأسواق حتى الآن في حالة استقرار نسبي.
وأشار إلى أن وجود نحو 25 ألف عائلة نازحة في صيدا أسهم في زيادة الطلب ورفع معدلات الاستهلاك، ما شكّل ضغطًا إضافيًا على الأسواق والسكان، بالتزامن مع تحذيرات من تداعيات خطيرة محتملة في حال إقفال باب المندب على إمدادات المنطقة.
وكشف عن ارتفاع الأسعار بنسبة تتراوح بين 10 و13 %، نتيجة تعقيدات الإمداد وارتفاع كلفة النقل بفعل غلاء المحروقات، مؤكدًا أن الوضع لا يزال مقبولًا حاليًا، لكنه قابل للتدهور في حال استمرار التصعيد.
في هذا المشهد، لا تبدو الأزمة اقتصاديةً فحسب، بل هي وجعٌ اجتماعيّ يتسلّل إلى تفاصيل الحياة. يتحوّل الخوف من المجهول إلى رفيقٍ يوميّ لا يغادر. لم تعد نيران الحرب تكتفي بحرق القلوب، بل امتدّت ألسنتها لتلتهم ما تبقى من نقودٍ في جيوب المواطنين.












اترك ردك