صندوق النقد: “الانتظام المالي” قبل نهاية نيسان والحكومة أمام خيارين

كتب محمد وهبة في” الاخبار”: على مدى خمسة أيام، ناقش ممثّلو صندوق النقد الدولي في لبنان، ما هو مطلوب من لبنان في ما خصّ قانون الانتظام المالي. يُنقل أن ممثّلي الصندوق كانوا حازمين جداً، بما يُفهم منه أنها الفرصة الأخيرة. وبحسب عرضهم، فإنه يترتّب على لبنان أن يلتزم خلال مهلة أقصاها اجتماعات الربيع لصندوق النقد المُقرّرة في نيسان المقبل، بإنجاز قانون الانتظام المالي، ثم إنجاز كل التعديلات المطلوبة على قانون معالجة أوضاع المصارف وقانون الانتظام المالي وما يرتبط بهما.

أمّا في الشقّ التقني، فركّز ممثّلو صندوق النقد على أمرين: أولاً، الصندوق لا يمانع من التصرّف بالذهب لكنه في المقابل يحتاج إلى تقييم جدّي لقيمة الذهب وفق أسعار متوسط السنتين الأخيرتين وليس وفق سعر السوق اليوم. وثانياً يجب تعديل تراتبية الخسائر وعزلها عن «الحكم على النوايا» ما يوجب تقييم موجودات مصرف لبنان ثم إطلاق النقاش بشأن ما يُسمّى «الأصول غير المُنتظمة» والتي يعتقد الصندوق أن تقدير قيمِها بعيد جداً عن الواقع.

لا يُعتقد أن النقاش الفعلي سيخرج إلى العلن في المؤتمر الصحافي الذي سيُعقد اليوم في وزارة المال. في اليوم الأول على النقاش، أي الإثنين الماضي، صدر عن وزارة المال بيان يفيد بأنها تتمنّى إنجاز الأمر لتوقيع «اتفاق على مستوى الموظفين مع الصندوق». ثم اتضحت لهجة هذا البيان، بما يطلبه صندوق النقد، لجهة توسيع النقاشات مع الجهات اللبنانية ومشاركة كل من وزيري المالية ياسين جابر والاقتصاد عامر البساط وممثلين عن رئاستي الجمهورية ومجلس الوزراء ورئيس هيئة الرقابة على المصارف ومدير المالية العامة وفريق وزارتي المالية والاقتصاد المختصين.

كان لافتاً غياب حاكم مصرف لبنان كريم سعيد عن النقاش، وكان لافتاً أكثر أن النقاش المتعلق بالأرقام التي بنيت عليها الخطّة، والتي ينتقدها صندوق النقد، مصدره الأساسي مصرف لبنان. أيضاً ورد في البيان أن هذا القانون، بالشكل الذي يفرضه صندوق النقد، هو الفصل في إنقاذ لبنان من اللائحة الرمادية، إذ إن إقراره سيترك «أثراً اقتصادياً إيجابياً للتوصل إلى حلّ متكامل بما يتيح البدء باستعادة الودائع تدريجياً، ويسهم في إخراج لبنان من اللائحة الرمادية، ويعزّز فرص استعادة دوره المالي الريادي في المنطقة».
 
الكلام سهل. فاستعادة دور لبنان المالي الريادي في المنطقة، أو ما يُسمّى لبنان مركز مالي إقليمي، سقط بالضربة القاضية. حصل الأمر بعدما تنازل لبنان عن السرية المصرفية تجاه الخارج، فبات عرضة لمنافسة إقليمية من دول مثل الإمارات العربية المتحدة التي تمثّل مركزاً مالياً إقليمياً في المنطقة، فضلاً عن انفتاح سوريا على النظام الرأسمالي الكامل. أمران لم يتركا أيّ دور للبنان كمركز إقليمي. ولا حتى كمركز خدمات «أخرى». وها هو لبنان، بكل ما فيه من بقايا السلطة ورؤوس التغيير، غارق في نقاشات عقيمة عن توزيع الخسائر «بعد الانتخابات أم قبلها؟». والمصارف منقسمة هي أيضاً. قسم يريد الحفاظ على رساميله لأنه قادر على تسديد أول 100 ألف دولار للمودعين، وقسم آخر لا يأبه بالرساميل «الدفترية» لأنه غير قادر على تأمين أول 100 ألف دولار للمودعين وإذا تمكّن بشق الأنفس فليس قادراً على إعادة رسملة نفسه. أمّا المودعون، فقد «تعوّدوا» كما وعدهم الحاكم السابق رياض سلامة، وهم يوافقون على أي نسبة «هيركات» طالما أنها لم تُذكر صراحة في متن القانون!

في ذروة النقاش المتعلّق بالانتخابات المحلية، وفي عزّ التحشيد والتلويح بحرب إقليمية كبرى، وفوق كل الخراب الواقع بسبب العدوان المستمر على لبنان من الكيان الصهيوني، أتى صندوق النقد الدولي ليطلب الآتي:

– لا يجوز تحديد دين الدولة لمصرف لبنان مُسبقاً (مصرف لبنان في البدء كان يطالبها بـ16.5 مليار دولار، ثم رفع مطالبته لها في المؤتمر الصحافي الذي عقده الحاكم كريم سعيد إلى ما يعادل 50 مليار دولار).
ولا يجوز ترك قانون الانتظام المالي مُبهماً وخاصة في ما يتعلق بالمادة 113 في قانون النقد والتسليف (تحدّد كيف يتم تحويل الأرباح من مصرف لبنان إلى الدولة وكيف يتم تمويل الخسائر في رأسمال مصرف لبنان من الخزينة العامة). بالنسبة إلى الصندوق، لا يجوز أن تُموّل الخسائر من الخزينة العامة، ما يوجب تعليق عمل هذه المادة. أي تمويل للخسارة في رساميل مصرف لبنان من الخزينة العامة سيزيد أعباء الدين العام على الدولة وبالتالي ينعكس سلباً على استدامة الدين العام الضرورية للتعافي المالي.
– يجب توضيح مسألة أساسية تتعلق بتطبيق تراتبية توزيع الخسائر كما يراها الصندوق على أساس تحميل الخسارة في البدء للأموال الخاصة، ثم تنتقل إلى الآخرين مثل المودعين، لأنه «لا يمكن الحكم على النوايا» في ما يتعلق بما يرد من تراتبية لوزيع الخسائر في مشروع القانون.
– يجب تحديد المداخيل من الأصول التي ستوضع في مقابل السندات والتي سيُدفع منها سنوياً 2% اعتباراً من السنة الخامسة (أي بعد تسديد الودائع لمدّة أربع سنوات).
– يجب إنجاز التعديلات المتعلّقة بقانون معالجة أوضاع المصارف والتي طلبها صندوق النقد في الفترة الماضية وبشكل سريع.
إذاً، تطبيق هذه التعديلات على قانون الانتظام المالي وفق المهل التي حدّدها الصندوق، يترك الحكومة أمام خيارين:
* استرداد مشروع القانون الذي أحالته إلى مجلس النواب، وإجراء التعديلات عليه.
* تضمين التعديلات في مشروع القانون عبر لجنة المال والموازنة. وهذا يعني أنه على مجلس النواب، بكل ما فيه من كتل سياسية ومرشّحين للنيابة مجدّداً وتكراراً، الموافقة على تعديلات لا يمكن تبريرها تجاه المودعين بشكل أساسي، ولا يمكن تبريرها طالما أن المصارف ستبقى على قيد الحياة ولن يُزجّ بأيّ من أصحابها أو مسؤوليها في السجن.