التقرير الذي ترجمهُ “لبنان24” يقولُ إن “دخول السويداء، وهي المنطقة الجنوبية التي تُعد قلب المجتمع الدرزي في سوريا ، يشبه عبور الحدود إلى بلد آخر”، وتابع: “يتعين على زوار المدينة المرور عبر سلسلة من نقاط التفتيش، أولها تديره القوات التي تسيطر عليها دمشق، تليها عدة نقاط تفتيش تديرها جماعات محلية، تقوم بفحص وثائق الزوار بدقة مقابل قائمة أسماء معتمدة. وعند الحاجز الأخير، ترحب اللافتات بالزوار بشعارات تشير إلى الأمة الدرزية”.
وتابع: “لقد تحصّنت مدينة السويداء وأجزاء من ريفها المحيط بها وسط تصاعد العداء تجاه دمشق، بعد مقتل مئات المدنيين الدروز في تموز، إثر تصاعد حدة الاشتباكات بين المقاتلين البدو المُوالين للحكومة والجماعات الدرزية إلى حمام دم طائفي. مع هذا، اتهمت منظمات حقوق الإنسان وسكان محليون قوات الأمن السورية بالمشاركة في عمليات القتل”.
وأضاف: “قامت إسرائيل، التي تضم أيضاً جالية درزية كبيرة، بقصف القوات الحكومية خلال الاشتباكات، وقد مثّلت بذلك مناصرة للأقلية الدينية التي تُشكّل نحو 3% من سكان سوريا. أيضاً، لاقى استعراض القوة ترحيباً واسعاً من دروز السويداء ، ما عزّز من طموحهم في الحكم الذاتي”.
وفي السياق، قال شادي مرشد، القاضي السابق الذي عُيّن مؤخراً قائداً لقوات الأمن الداخلي الفعلية في السويداء، لصحيفة “ذا ناشيونال”: “نطالب بحق تقرير المصير لأننا لم نعد نستطيع العيش معهم. جراحنا عميقة، ولن تلتئم، ولن نغفر”.
ووفق التقرير، فإنه “رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في تموز الماضي، لا يزال الوضع متوتراً”، وتابع: “لقد اندلع إطلاق نار في السويداء قبل أيام قليلة، بعد أن أطلق عنصر من قوات الأمن الداخلي التابعة للدولة النار على عمال قطف زيتون دروز في قرية المتانة، ما أسفر عن مقتل 4 أشخاص، بحسب ما أفاد به سكان محليون. كذلك، أعلنت السلطات السورية يوم الأحد أنها ألقت القبض على المشتبه به وأحالته للتحقيق. في الواقع، لقد أدى الحادث إلى زيادة توتر العلاقات بين السكان وقوات الأمن، وسط مخاوف من انهيار الهدنة”.
وتكشف مقابلات صحيفة “ذا ناشيونال” مع السكان والمسؤولين المحليين ورجل دين درزي معتدل في السويداء عن صورة معقدة لمدينة مثخنة بالجراح حيث تم استغلال المواقف المتطرفة الناجمة عن إراقة الدماء من قبل كل من إسرائيل والفصائل المسلحة المحلية.
ورغم تهميشها، برزت أصوات براغماتية بين السكان والقادة المحليين، وقد صرّح هؤلاء بأنهم “ما زالوا مُتمسّكين بالهوية الوطنية السورية، مع عدم ثقتهم بالنفوذ الأجنبي والميليشيات، المتهمة باستغلال الخوف لمصالحها الخاصة”.
وسيمثل الدروز في السويداء الاختبار التالي للرئيس السوري أحمد الشرع، بعد سيطرة الأكراد على ربع أراضي سوريا قبل أن تُقلص الاشتباكات مع القوات الحكومية نفوذهم بشكل كبير. مع هذا، تسعى حكومة الشرع إلى بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية دون إثارة غضب إسرائيل أو فقدان دعم المجتمع الدولي، كما يقول التقرير.
“إسرائيل حليفتنا”
مع انسحاب القوات الحكومية عقب هدنة تموز الماضي، أنشأ قادة الدروز المحليون “لجنة قانونية عليا”، وشرعت هذه الإدارة المستقلة بحكم الأمر الواقع في الإشراف على الشؤون العامة بقيادة الشيخ حكمت الهجري، وهو رجل دين درزي صريح تربطه علاقات وثيقة بإسرائيل.
ويقول التقرير إن “دمشق لا تعترف بالإدارة كحكومة شرعية”، مشيراً إلى أن “الحرس الوطني، وهو تحالف يضم نحو أربعين فصيلاً محلياً موالياً للسيد الهجري، يُشكل الجناح العسكري للإدارة”.
وفي حديث له، صرح أحد قادة “الحرس الوطني”، العميد جهاد الغوطاني، خلال زيارة للمدينة، بأن “الحرس يعتبر إسرائيل أقرب حلفائه”.
إلا أن المحللين يرون أن إسرائيل، تحت ستار الدفاع عن الدروز، تسعى إلى تقويض القيادة الإسلامية في سوريا وتأمين منطقتها الحدودية، بحسب ما يقول التقرير.
وبحسب التقرير، فقد تجمعت معظم الجماعات الدرزية في السويداء، بما في ذلك تلك التي كانت منفتحة في البداية على العمل مع دمشق، تحت مظلة الحرس الوطني.
أيضاً، فقد عزز الشيخ الهجري سيطرته على المنطقة منذ عمليات القتل التي وقعت في تموز، متجاهلاً الزعيمين الروحيين الدروز الآخرين، الشيخ يوسف جاربو والشيخ حمود الحناوي، اللذين هما أكثر انفتاحاً على الحوار مع الحكومة.
وقال العميد الغوطاني، متحدثاً من مكتبه المزين أيضاً بصورة ضخمة للسيد الهجري، إن القوات المحلية استعدت لهجوم حكومي محتمل، مضيفاً أن “الحرس الوطني، المجهز بأسلحة خفيفة ومتوسطة، لديه خطة دفاعية متكاملة في كل الاتجاهات”.
يكشف التقرير أن استيلاء الهجري على السلطة ساهم في تمكين شخصيات من نظام بشار الأسد القديم بما في ذلك العميد الغوطاني، الذي كان عضواً في الفرقة الرابعة سيئة السمعة بقيادة شقيق الرئيس السابق، ماهر الأسد.
الضابط الذي كان يعمل في عهد الأسد، يشيد الآن بإسرائيل، بينما يدعو إلى “الاتحاد الكونفدرالي ثم الاستقلال”، ويقولُ إن “إسرائيل، التي اتهمتها هيئات الأمم المتحدة بارتكاب إبادة جماعية في غزة، تحمي حقوق الإنسان وتحترم الإنسانية”.
وتابع: “نقول: إسرائيل حليفتنا. ونحن فخورون بذلك. ولن يتخلوا عنا”، هكذا ادعى.
ونفى العميد الغوطاني، خلافاً لما ذكرته صحيفة “واشنطن بوست”، أن إسرائيل تموّل قوات الأمن المحلية، مؤكداً أن دعمها يقتصر على المساعدات الإنسانية التي تُقدّم عبر الهلال الأحمر.
ولا يزال من غير الواضح كيف يُموّل سكان السويداء قواته، التي قال إنها تضم نحو 3280 متطوعاً متعاقداً، يتقاضون راتباً شهرياً يتراوح بين 150 و250 دولاراً.
وحظي التدخل الإسرائيلي في تموز بترحيب واسع في السويداء، كاسراً بذلك محظوراً راسخاً في بلدٍ لطالما نُظر إليه كعدو.
وتنتشر الأعلام الإسرائيلية الآن في كل مكان بالمدينة، معلقة على السيارات، ومرسومة على الجدران، بل ومعروضة للبيع في المتاجر. كذلك، كُتب على جدران الساحة الرئيسية للمدينة: “اللهم انصر إسرائيل”.
لكن العديد من المحللين يقولون إن إسرائيل سعت إلى تقويض التماسك الوطني للبلاد، لأنها تنظر إلى الرئيس الشرع، الذي قاد جماعة مسلحة كانت تابعة لتنظيم القاعدة، بعين الريبة الشديدة.
ومنذ كانون الأول 2024، عندما أُطيح بنظام الأسد، استولت إسرائيل على مساحات شاسعة من الأراضي في الجنوب، ودمرت القدرات العسكرية للبلاد بضربات جوية، وطالبت بمنطقة منزوعة السلاح جنوب دمشق.
ومع ذلك، فقد صرّح الشرع، الذي حظي باستقبال دولي منذ توليه السلطة، مراراً وتكراراً بأنه لا يسعى إلى الحرب مع الدول المجاورة، ووعد بحماية الأقليات في سوريا. أيضاً، عقدت الحكومة السورية عدة جولات من المحادثات بوساطة اميركية مع إسرائيل، لكنها، مثل نظام الأسد، لا تعترف بإسرائيل رسمياً.
وفي العام الماضي، وافقت سوريا على خارطة طريق برعاية الولايات المتحدة والأردن لتهدئة التوترات في السويداء والتوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل.
وتضمنت الخطة إنشاء قوة شرطة محلية تمثل كل الطوائف في السويداء، وإعادة تفعيل المؤسسات المدنية، وآلية مراقبة مشتركة سورية – أردنية – أميركية للإشراف على تنفيذ خارطة الطريق.
ويشير غياب أي إشارة إلى استقلال السويداء في الاتفاق إلى أن هذا المطلب لم يحظَ بتأييد دولي يُذكر خارج الأوساط الدرزية في إسرائيل. كذلك، لم يُعلن المسؤولون الإسرائيليون صراحةً عن مطالبة السويداء بالاستقلال، علماً بأنها لا تشترك في حدود مع إسرائيل.
وعارض الزعماء الروحيون الدروز في إسرائيل، الذين ضغطوا من أجل الحصول على ضمانات أميركية لحماية المجتمع، المبادرات الانفصالية التي دفع بها السيد الهجري.
حتى الزعيم الدرزي الإسرائيلي المؤثر الشيخ موفق طريف، الذي دعا في البداية إلى تدخل عسكري إسرائيلي في السويداء، يحث الآن على الحكم الذاتي بدلاً من الانفصال.
انقطعت رائحة الدماء عن السويداء منذ زيارة صحيفة “ذا ناشيونال” الأخيرة في تموز الماضي. ففي ساحة تشرين المركزية بالمدينة، تقف صور تذكارية لعائلة سرايا في المكان الذي كانت فيه فوارغ الرصاص والزجاج المحطم وآثار الدماء تُشير إلى المكان الذي قُتلوا فيه على يد مسلحين قاموا بتصوير لحظات موتهم على طريقة صور السيلفي.
كذلك، أُعيد فتح المتاجر، والشوارع تعج بالسيارات والمشاة، فيما يسودُ هدوء خادع في مدينة لا تزال تحمل آثار العنف، والتي تتجلى في واجهات المباني الملطخة بالسخام والنوافذ المحطمة.
وأفادت منظمات حقوق الإنسان بارتكاب انتهاكات جسيمة من قبل مقاتلين قبليين وقوات موالية للحكومة، فضلاً عن ميليشيات درزية. وتتفاوت حصيلة الضحايا، لكن المرصد السوري لحقوق الإنسان، وهو منظمة مراقبة للحرب مقرها المملكة المتحدة، ذكر أن الاشتباكات أسفرت عن مقتل أكثر من ألفي شخص.
أيضاً، تعهد الشرع بمحاسبة المسؤولين، لكن منظمة “هيومن رايتس ووتش” قالت الشهر الماضي إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.
وتعيش السويداء في عزلة تامة منذ المجزرة، وترفض السماح للدولة بالدخول، وتعتمد على قوافل الهلال الأحمر لتأمين احتياجاتها الأساسية. كذلك، يقول السكان والمراقبون إن الوصول إلى المساعدات الإنسانية لا يزال يخضع لرقابة مشددة، مندّدين بظروف أشبه بالحصار، بحسب “ذا ناشيونال”.
المصدر:
ترجمة “لبنان 24”












اترك ردك