قد يبدو شرب كوب من الحليب الدافئ قبل النوم عادة بسيطة، لكنه قد يشكّل إضافة مفيدة إلى النظام الغذائي للنساء خلال مرحلة انقطاع الطمث. ففي هذه الفترة، تؤدي التغيرات الهرمونية إلى ظهور أعراض مثل اضطرابات النوم والهبات الساخنة والتعرق الليلي، فضلاً عن زيادة خطر تراجع كثافة العظام والكتلة العضلية، ما يجعل الاهتمام بالتغذية اليومية أمراً مهماً للحفاظ على الصحة.
وفي تقرير نشره موقع «إيتينغ ويل»، يستعرض اختصاصيو التغذية الفوائد المحتملة للحليب الدافئ خلال هذه المرحلة، بدءاً من المساعدة على الاسترخاء ودعم النوم، وصولاً إلى توفير العناصر الغذائية الضرورية لصحة العظام والعضلات والمساهمة في ترطيب الجسم. ومع ذلك، لا يُعد الحليب علاجاً مستقلاً لأعراض انقطاع الطمث، بل يمكن أن يكون جزءاً من نمط حياة صحي ومتوازن.
كيف يمكن أن يفيد الحليب الدافئ النساء خلال انقطاع الطمث؟
ترتبط الفوائد الغذائية للحليب بمكوناته، وليس بدرجة حرارته؛ إذ يوفر الحليب البارد العناصر الغذائية نفسها الموجودة في الحليب الدافئ. لكن تناول مشروب دافئ قد يساعد على الاسترخاء، خصوصاً عندما يكون جزءاً من روتين مسائي منتظم يهيئ الجسم للنوم.
1. دعم النوم وتحسين جودته
تواجه نساء كثيرات صعوبات في النوم خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث وبعده، نتيجة الأرق أو الهبات الساخنة والتعرق الليلي، وهي أعراض قد تؤثر في الراحة اليومية وجودة الحياة.
ويحتوي الحليب على التريبتوفان، وهو حمض أميني يستخدمه الجسم في إنتاج السيروتونين والميلاتونين، وهما مادتان تؤديان دوراً في تنظيم النوم واليقظة. كما يوفر الحليب عناصر غذائية، مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والزنك وفيتامين «د»، التي تسهم في وظائف الجسم المرتبطة بالنوم.
وتشير بعض الدراسات إلى وجود علاقة محتملة بين تناول الحليب ومنتجات الألبان وتحسن جودة النوم. فقد تناولت مراجعة منهجية 14 دراسة أُجريت على مدى نحو 50 عاماً، وخلصت إلى أن الأنظمة الغذائية المتوازنة التي تتضمن منتجات الألبان قد ترتبط بتحسن النوم، إلا أن هذه النتائج لا تزال بحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتأكيدها.
وفي هذا السياق، توضح اختصاصية التغذية ويتني ستيوارت أن الحليب الدافئ ليس بديلاً عن العلاجات المخصصة لمشكلات النوم، مشيرة إلى أن الكوب الواحد يحتوي على كمية محدودة من التريبتوفان. وتؤكد أن الانتظام في اتباع عادات مريحة قبل النوم قد يكون عاملاً مهماً في تحسين جودة الراحة الليلية.
2. الحفاظ على صحة العظام وتقليل خطر هشاشتها
تنخفض مستويات هرمون الإستروجين خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث، وتبقى منخفضة بعد انقطاعه، ما قد يسرّع فقدان كثافة العظام ويرفع خطر الإصابة بهشاشة العظام.
لذلك، تكتسب التغذية الغنية بالعناصر الداعمة للعظام أهمية خاصة في هذه المرحلة. ويوفر الحليب الكالسيوم والفوسفور والبروتين، كما قد يوفر فيتامين «د» بحسب نوعه وما إذا كان مدعّماً به.
وتوضح ستيوارت أن الحفاظ على قوة العظام لا يعتمد على الكالسيوم وحده، بل يحتاج أيضاً إلى الحصول على كميات كافية من البروتين والفوسفور وفيتامين «د»، إلى جانب اتباع نمط حياة يدعم صحة الهيكل العظمي.
3. توفير البروتين للمحافظة على الكتلة العضلية
تتراجع الكتلة العضلية تدريجياً مع التقدم في العمر، وقد تتسارع هذه العملية خلال مرحلة انقطاع الطمث، ما قد يؤثر في القوة البدنية والقدرة على الحركة. ولهذا، يصبح الحصول على البروتين بكميات مناسبة جزءاً أساسياً من الاهتمام بالصحة خلال هذه الفترة.
ويحتوي الحليب على نوعين رئيسيين من البروتين: مصل اللبن، الذي يُهضم بسرعة نسبياً، والكازين، الذي يستغرق وقتاً أطول في الهضم. وتشير بعض الأبحاث إلى أن تناول البروتين قبل النوم، ولا سيما الكازين، قد يساعد على دعم إصلاح العضلات خلال الليل، إلا أن كثيراً من هذه الدراسات اعتمد على كميات من البروتين تفوق ما يوفره كوب واحد من الحليب.
ويمنح كوب الحليب نحو 8 غرامات من البروتين الكامل، الذي يحتوي على الأحماض الأمينية الأساسية اللازمة لبناء العضلات والمحافظة عليها. ومع ذلك، فإن تلبية الاحتياجات اليومية من البروتين تتطلب الاعتماد على مصادر غذائية متنوعة، وليس الحليب وحده.
4. المساهمة في ترطيب الجسم وتعويض السوائل
قد يؤدي تكرار الهبات الساخنة والتعرق الليلي إلى زيادة فقدان السوائل، خصوصاً عندما تحدث نوبات التعرق بصورة متكررة خلال اليوم والليل. لذلك، يساعد الحفاظ على الترطيب الكافي في دعم وظائف الجسم وتنظيم درجة حرارته.
ويحتوي الحليب على نسبة مرتفعة من الماء، تتجاوز 80 في المائة من مكوناته، ما يجعله أحد المشروبات التي يمكن أن تسهم في تلبية الاحتياجات اليومية من السوائل. كما يوفر البوتاسيوم والكالسيوم والمغنيسيوم، وهي معادن تؤدي أدواراً مهمة في وظائف الجسم وتوازن السوائل.
ومع ذلك، يبقى شرب الماء بانتظام أساسياً للحفاظ على الترطيب، ولا ينبغي اعتبار الحليب بديلاً وحيداً للسوائل التي يحتاج إليها الجسم.
عادات مسائية تساعد على تخفيف أعراض انقطاع الطمث
تزداد فائدة الحليب الدافئ عندما يكون جزءاً من روتين صحي متكامل، يشمل عادات تساعد على الاسترخاء وتحسين النوم والتعامل مع الأعراض اليومية.
وتشير اختصاصية التغذية إليزابيث شو إلى أهمية تخصيص الفترة المسائية للهدوء والاستعداد للنوم، من خلال الحفاظ على برودة غرفة النوم، وتخفيف الإضاءة، واختيار المشروبات التي لا تحتوي على الكافيين. وقد تسهم هذه الخطوات في تعزيز الراحة، حتى إن لم تكن كافية وحدها للتخلص من الأعراض.
ومن أبرز العادات التي يُنصح باتباعها:
- تهيئة غرفة نوم مريحة: يساعد الحفاظ على غرفة مظلمة وهادئة وباردة نسبياً على تحسين النوم والحد من الانزعاج الناتج عن التعرق الليلي.
- تقليل استخدام الشاشات قبل النوم: قد يؤثر الضوء الساطع المنبعث من الهواتف والتلفزيون وأجهزة الكمبيوتر في الاستعداد للنوم؛ لذلك يُفضّل تقليل استخدامها خلال الفترة المسائية.
- ممارسة النشاط البدني بانتظام: تساعد الرياضة على دعم صحة العظام والعضلات وتحسين المزاج والنوم. ويُفضّل اختيار وقت مناسب لممارستها، إذ قد يؤدي النشاط البدني المكثف قبيل النوم إلى زيادة اليقظة لدى بعض الأشخاص.
- استشارة الطبيب عند استمرار الأعراض: تتوفر خيارات علاجية للمساعدة على التعامل مع الهبات الساخنة واضطرابات النوم وتغيرات المزاج والأعراض البولية المرتبطة بانقطاع الطمث. لذلك، من المهم عدم اعتبار هذه المشكلات أمراً لا مفر منه أو تحمّلها من دون طلب المشورة الطبية.
في المحصلة، يمكن أن يكون كوب الحليب الدافئ قبل النوم خياراً غذائياً مفيداً خلال انقطاع الطمث، بفضل ما يوفره من بروتين ومعادن وسوائل، إلى جانب دوره المحتمل في تعزيز الاسترخاء. لكن الاستفادة منه تكون أكبر عند دمجه مع نظام غذائي متوازن ونشاط بدني منتظم وعادات نوم صحية، مع اللجوء إلى الرعاية الطبية عند الحاجة.











اترك ردك