والأرقام تعكس هذا التغيّر. ففي عام 2019، بلغ عدد الولادات اللبنانية المسجّلة نحو 86 ألف ولادة، بينما انخفض العدد إلى نحو 71 ألفًا في عام 2025، أي بتراجع يقارب 18 في المئة. وبين الرقمين، شهد لبنان أزمات متلاحقة تركت أثرها على تفاصيل حياة اللبنانيين وعلى قراراتهم المتعلقة بالزواج وتكوين الأسرة والإنجاب.
ولفهم هذا التراجع، يكفي النظر إلى واحدة من أكثر الفترات ضغطًا على العائلات، وهي بداية العام الدراسي.
فمع بدء العام الدراسي، تبدأ الحسابات. أقساط المدارس، الكتب، القرطاسية، الزي المدرسي، النقل، ثم الطعام والمصاريف اليومية. ومع كل بند جديد، تكبر الفاتورة. وإذا كانت هذه الكلفة تشكل ضغطًا على عائلة لديها طفل واحد، فإنها تصبح أكثر صعوبة عندما يكون لديها طفلان أو ثلاثة.
المشكلة أن هذه المصاريف لا تأتي مرة واحدة ولا تنتهي عند بداية العام الدراسي. فالطفل يحتاج إلى احتياجات يومية على مدار السنة، من الغذاء والملابس إلى الرعاية الصحية والتنقل، فيما التعليم وحده يمكن أن يستهلك جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة.
وهنا تدخل القدرة المادية مباشرة في قرار الإنجاب.
ففي وقت قد يتراوح فيه دخل بعض الأسر بين 500 و600 دولار شهريًا، تصبح أي زيادة في عدد أفراد الأسرة عبئًا إضافيًا. فهذا المبلغ يذهب سريعًا إلى الإيجار أو السكن، والفواتير، والطعام، والتنقل، والتعليم، والطبابة، وغيرها من المصاريف التي لم تعد هامشية.
وفي المقابل، تحتاج عائلة مؤلفة من 3 أفراد إلى ما لا يقل عن 1200 دولار شهريًا كحد أدنى لتأمين الأساسيات فقط، من دون كماليات. وهذا يعني أن الفارق بين الدخل وما تحتاجه الأسرة للعيش يمكن أن يكون كبيرًا، خصوصًا عندما تُضاف إليه كلفة طفل جديد.
والأهم أن العائلة لا تحسب كلفة الطفل في عام واحد فقط. قرار الإنجاب يعني التزامًا يمتد لسنوات، وربما لعقود، ولذلك فإن عدم وضوح المستقبل الاقتصادي يجعل كثيرين أكثر حذرًا قبل اتخاذ هذه الخطوة. فبين المدرسة والطعام والملابس والطبابة والنقل وسائر الاحتياجات، قد تصل كلفة تربية طفل واحد إلى آلاف الدولارات سنويًا، وترتفع أكثر بحسب المدرسة واحتياجات الطفل ونمط حياة الأسرة.
فالشاب أو الشابة اللذان يفكران في تكوين عائلة لا ينظران فقط إلى راتبهما اليوم، بل إلى قدرتهما على الاستمرار في دفع المصاريف في السنوات المقبلة، خصوصًا في ظل سوق عمل غير مستقر وارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
ومن هنا، يصبح تأجيل الإنجاب خيارًا تلجأ إليه بعض العائلات، ليس بالضرورة لأنها لا تريد أطفالًا، بل لأنها تريد أن تكون قادرة على تأمين مستوى معيشي مقبول لهم.
لكن الاقتصاد ليس العامل الوحيد في هذه المعادلة. فالسنوات بين 2019 و2025 حملت معها أزمات سياسية واقتصادية وحروبًا وعدم استقرار أمني، ما جعل فكرة المستقبل نفسها أكثر ضبابية بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب. ومع صعوبة تأمين عمل مستقر وسكن مناسب ودخل ثابت، أصبح الزواج وتكوين الأسرة خطوات قد يؤجلها البعض إلى وقت يشعرون فيه بقدرة أكبر على تحمّل المسؤولية.
كما أن تراجع الزواج ينعكس تلقائيًا على الولادات. فكلما تأخر الزواج، يتأخر معه الإنجاب، فيما تؤدي الهجرة إلى خروج أعداد من الشباب في سن الزواج والإنجاب من لبنان، ما يترك أثرًا إضافيًا على التركيبة السكانية.
وهكذا، لا يمكن قراءة انخفاض الولادات بمعزل عن التحولات التي أصابت المجتمع اللبناني نفسه. فهناك جيل من الشباب دخل مرحلة الزواج وتكوين الأسرة في ظروف مختلفة تمامًا، وأصبح عليه أن يتعامل مع كلفة أعلى للحياة وفرص أقل للاستقرار.
وفي السابق، ربما كان التفكير بطفل ثانٍ أو ثالث أمرًا طبيعيًا بالنسبة إلى كثير من العائلات. أما اليوم، فقد أصبحت المسألة مرتبطة بقدرة الأسرة على توزيع دخلها بين عدد أكبر من الأفراد. طفل إضافي يعني مصاريف إضافية في كل مرحلة تقريبًا، من الحضانة إلى المدرسة، ومن الطعام والملابس إلى الطبابة والنقل، وصولًا إلى التعليم الجامعي لاحقًا.
لذلك، قد تتخذ الأسرة قرارًا بتأجيل الإنجاب، أو الاكتفاء بطفل واحد، أو ترك فترة أطول بين طفل وآخر. وهذه القرارات الفردية، عندما تتكرر لدى عدد كبير من الأسر، تتحول في النهاية إلى ظاهرة تظهر بوضوح في الأرقام الديموغرافية.
وبين 2019 و2025، لا يخبرنا انخفاض عدد الولادات فقط عن عدد الأطفال الذين وُلدوا في لبنان، بل يعطي لمحة عن الظروف التي يعيشها اللبنانيون وعن الطريقة التي تغيّرت فيها حسابات الأسرة.
فالإنجاب الذي كان يُنظر إليه في كثير من الأحيان باعتباره خطوة طبيعية بعد الزواج، أصبح اليوم مرتبطًا أكثر بالقدرة على تأمين حياة مستقرة، وتحمّل كلفة هذه الحياة لسنوات طويلة.
وفي بلد أصبحت فيه كلفة تربية الطفل جزءًا أساسيًا من حسابات الأسرة، لم يعد السؤال فقط “متى سننجب؟”، بل إلى أي حد يستطيع الزوجان أن يخططا لعائلة في ظل واقع اقتصادي واجتماعي يجعل كل طفل مسؤولية أكبر من مجرد قرار عائلي؟











اترك ردك