المعطيات المتوافرة توحي بأن إيران تبدي مرونة محصورة بالملف النووي دون سواه، مع رفض واضح لتوسيع البحث نحو ملفات أخرى تضغط واشنطن لفتحها، ولا سيما برنامج الصواريخ الفرط صوتية. ولعلّ هذا الفصل المقصود بين المسارات يعكس محاولة إيرانية لحصر النقاش في الإطار الذي تعتبره قابلاً للمقايضة، بعيداً عن منظومتها الصاروخية التي تعدّها جزءاً من معادلة الردع غير القابلة للتفاوض.
وفي ما يتصل بالشق النووي نفسه، تشير القراءة إلى استعداد إيراني للقبول بمستويات تخصيب منخفضة بهدف تبديد الشكوك الغربية حول الطابع العسكري للبرنامج، مع احتمال القبول المؤقت بوقف التخصيب، وهو طرح تراه طهران أقل كلفة في ظل واقع يشير الى أن جزءاً من أنشطة التخصيب متوقف أساساً في المرحلة الراهنة. إلا أن هذا الهامش من المرونة لا يُطرح من الجانب الإيراني بوصفه تنازلاً مجانياً، بل كجزء من مقايضة واضحة تقوم على تخفيف تدريجي للعقوبات وفق مبدأ الخطوة مقابل خطوة وبمسار متوازٍ زمنياً.
في المقابل، لا تنفصل هذه الحركة الدبلوماسية عن مناخ عسكري ضاغط، إذ إن واشنطن، وفق ما تشير إليه الاستعدادات الميدانية، استكملت جانباً مهماً من تموضعها العسكري، مع تعزيزات جوية إضافية وإجراءات لوجستية في قواعد المنطقة، بالتوازي مع خطاب سياسي داخلي يهيّئ الرأي العام الأميركي لسيناريوهات أكثر تصعيداً. ويضع هذا التوازي، بين التفاوض واستعراض القوة، محادثات “جنيف” في إطار اختبار نوايا متبادل أكثر من كونه مسار تسوية مضمون.
أما في طهران، فتظهر اللغة الصادرة عن موقع المرشد الإيراني السيد علي خامنئي محاولة واضحة لرفع منسوب الردع، عبر التلميح إلى أن أي مواجهة مقبلة قد تتجاوز في نطاقها وقواعدها الاشتباكات السابقة، مع الإشارة إلى أن معادلة تحرك الحلفاء قد لا تبقى على ما كانت عليه في جولات سابقة، وهي رسائل، وإن جاءت بصيغة تحذيرية، تهدف إلى إعادة تذكير الخصوم بأن ميزان القوة لا يُقاس فقط بالمؤشرات العسكرية المباشرة.
في المحصلة، يدخل عراقجي إلى “جنيف” وهو يحمل سقفاً تفاوضياً يبدو مضبوطاً بدقة، مرونة نووية محسوبة مقابل مكاسب اقتصادية ملموسة، مع تمسك صارم بباقي عناصر القوة الإيرانية خارج طاولة البحث. وبين ضغط الاستعدادات العسكرية الأميركية ورسائل الردع الإيرانية، تبدو جولة جنيف أقرب إلى لحظة جس نبض حاسمة، حيث قد يتحدد ما إذا كان المسار سيفتح نافذة تهدئة أم يدفع المنطقة نحو مواجهة أوسع.












اترك ردك