عيد الفطر في الجنوب.. الحرب تغتال طقوس الفرح

قبل أيام قليلة من عيد الفطر، كان يفترض أن تمتلئ البيوت الجنوبية برائحة المعمول والسكر، وأن تنشغل الأمهات بكيّ ملابس الأطفال الجديدة، وأن تبدأ الزيارات العائلية التي تشكّل أحد أكثر طقوس العيد دفئًا في المجتمع اللبناني.

لكن هذا العام، لا شيء يشبه العيد.
 
في بلدٍ يعيش على إيقاع الغارات، تبدو الطرقات أكثر ازدحامًا من البيوت. سيارات محمّلة بحقائب صغيرة، عائلات تترك خلفها أبوابًا ربما لن تعود لتفتحها قريبًا، وأطفال يحدّقون من النوافذ في رحلة نزوح لا تشبه أي رحلة أخرى. هكذا يقترب العيد في لبنان: لا ببهجة الأسواق، بل بثقل الحرب التي تسبق تكبيراته.
 
العيد الذي تغيّر وجهه
 
في بلد عادي، يبدأ العدّ العكسي لعيد الفطر بحماسةٍ خاصة.
المساجد تستعد لصلاة العيد، الأسواق تضجّ بالحياة، والناس يتبادلون التهاني حتى قبل أن يُعلن ثبوت الهلال.
 
لكن الحرب تُفسد ترتيب الأشياء.
العيد الذي كان موعدًا للفرح الجماعي، أصبح بالنسبة لكثيرين مجرد تاريخ على التقويم يمرّ فوق جراح مفتوحة. فالعائلات التي كانت تنتظر نهاية رمضان لتجتمع حول موائدها، تجد نفسها اليوم تبحث عن مكان آمن تقضي فيه الليل، بعيدًا عن الغارات أو الإنذارات التي تدفع الناس إلى مغادرة بيوتهم على عجل.
 
هنا، يتبدّل معنى العيد.
لم يعد مناسبةً للزيارات والهدايا بقدر ما أصبح لحظة نجاة مؤقتة في يومٍ يمرّ بلا قصف.
 
طرقات مكتظة… وبيوت فارغة
 
في الجنوب اللبناني، كما في المناطق التي طالتها الاعتداءات، يتكرر المشهد ذاته: سيارات مصطفّة، أمتعة قليلة، ووجوه تحمل ارتباك الرحيل المفاجئ.
 
لا أحد يملك وقتًا كافيًا ليحزم حياته.
حقيبة صغيرة، أوراق رسمية، وربما بعض الملابس… هذا كل ما تستطيع العائلات حمله حين يفرض القصف قراره الأخير.
 
على تلك الطرقات، يمرّ العيد أيضًا.
لكن بصمتٍ ثقيل.
 
أطفال كانوا ينتظرون ملابس جديدة وألعابًا، يجلسون الآن في المقاعد الخلفية لسيارات مزدحمة، يسألون أسئلة لا يملك الكبار إجاباتٍ واضحة عنها:
متى نعود إلى البيت؟
هل سيأتي العيد هناك أم هنا؟
 
حين يصبح العيد مساحة للتكافل
 
في زمن الحرب، لا تختفي الأعياد بالكامل، لكنها تتغيّر.
يتراجع الفرح الصاخب، وتبرز بدلاً منه معاني التضامن.
 
في مراكز الإيواء، وفي البيوت التي فتحت أبوابها للنازحين، يحاول الناس إعادة تشكيل العيد بطريقتهم الخاصة: وجبة مشتركة، قطعة حلوى بسيطة، أو كلمة مواساة تُقال في الوقت المناسب.
 
هكذا يتحوّل العيد من طقس احتفالي إلى فعل إنساني.
شيء يشبه محاولة صغيرة لإعادة ترتيب الحياة وسط الفوضى.
 
ذاكرة بلد يعرف الحروب
 
ليس هذا المشهد غريبًا تمامًا على لبنان.
فالبلد الذي عرف الحروب المتعاقبة، اعتاد أن تستقبله الأعياد أحيانًا وسط القلق أو الدمار.
 
من سنوات الحرب الأهلية إلى حرب تموز، وصولًا إلى جولات التصعيد المتكررة، مرّت أعياد كثيرة على اللبنانيين في ظروف صعبة. ومع ذلك، ظلّ الناس يحاولون الاحتفاظ بما تبقى من طقوس الفرح، ولو في أبسط أشكاله.
 
ربما لأن الأعياد، في النهاية، ليست مجرد مناسبة دينية أو اجتماعية، بل محاولة جماعية للقول إن الحياة أقوى من الحرب.
 
العيد… رغم كل شيء
 
قد لا يأتي عيد الفطر هذا العام كما اعتاده اللبنانيون.
قد تصل تكبيراته إلى آذان عائلات كثيرة وهي بعيدة عن بيوتها، أو جالسة في غرف مؤقتة لا تشبه دفء المنازل.
 
لكن رغم ذلك، يبقى العيد فكرةً يصعب على الحرب أن تمحوها.
ففي كل بيتٍ مفتوح للنازحين، وفي كل مبادرة تضامن، وفي كل دعاء يُرفع في صلاة الفجر، يثبت اللبنانيون مرة أخرى أنهم قادرون على التمسك بالحياة حتى في أكثر اللحظات قسوة.
 
هكذا يصل العيد إلى لبنان هذا العام:
متعبًا… لكنه لا يزال يحمل في طيّاته وعدًا صغيرًا بأن الفرح، مهما تأخر، سيجد طريقه يومًا ما.