فضائح بالجملة في “عقارية بعبدا”: “تدفع تجد معاملتك”.. ونداء عاجل إلى رئيس الجمهورية

لم يعد إقفال دوائر محكمة بعبدا العقارية مجرّد تفصيل إداري عابر في يوميات اللبنانيين، بل تحوّل إلى أزمة فعلية تطال حقوق الناس ومصالحهم المباشرة. فخلف الأبواب المقفلة، تقف معاملات بيع وشراء، إفادات ملكية، ملفات إرث، نزاعات حدود، تنفيذات عقارية وحقوق مالية معلّقة، فيما يجد المواطن نفسه محاصراً بين خطر مبنى متصدّع وبطء دولة عاجزة حتى الآن عن تأمين بديل عملي وسريع يحفظ استمرارية المرفق العام.

 

القضية عادت إلى الواجهة بعدما شكا مواطنون من استمرار إقفال دوائر محكمة بعبدا العقارية بسبب التصدعات في المبنى، والخشية من حصول انهيارات، ما أدى إلى تأخير معاملاتهم وتعطيل مصالحهم. ومنذ ذلك الحين، تحوّل الإقفال من إجراء سلامة مفهوم ومبرّر إلى أزمة إدارة عامة بكل معنى الكلمة. فالمطلوب لم يكن فقط منع الناس من الدخول إلى مبنى قد يشكّل خطراً على حياتهم، بل تأمين مقر بديل يضمن استمرار العمل وإنجاز معاملات المواطنين بدل تركها معلّقة إلى أجل غير معلوم. وهنا تحديداً بدأت المشكلة تتدحرج: معاملات تتكدّس، ملفات لا تُنجز، محامون ومواطنون ومعقبو معاملات يتنقلون بين المراجعات من دون نتيجة، وغياب جواب واضح حول موعد عودة العمل بصورة طبيعية.

 

مصدر قضائي متابع أكّد لـ”لبنان24” أنّ التوقف كان قسرياً، وهو ما دفع السلطات إلى اعتماد غرفة لتسيير شؤون الناس في مبنى الدوائر العقارية في بعبدا التابع لمنطقة الشوف، وذلك أيام الاثنين والثلاثاء والجمعة، “إلى أن يفرجها الله”، بحسب تعبير المصدر. وهذه العبارة وحدها تختصر حجم الأزمة: عمل دائرة كاملة اختُصر بغرفة، وحقوق الناس باتت مرتبطة بأيام محددة وبقدرة محدودة على تسيير الملفات. إلا أنّ معقبي المعاملات وجدوا أنفسهم في حالة ضياع حقيقية، خصوصاً مع صعوبة الحصول على الإفادات العقارية، ما أدى إلى تعطيل أعمالهم وشلّ مصالح عدد كبير من المواطنين المرتبطين بملفات بيع وشراء وإرث وتسجيل وتسعير عقود.

 

لكن الأزمة، بحسب الشكاوى، لا تقف عند حدود المبنى أو الإقفال. فقد بلغ الاستياء ذروته لدى معقبي المعاملات العاملين في مديرية الشؤون العقارية التابعة لعاليه، نتيجة ما يصفونه بتعامل استنسابي من قبل المشرفين على السجل العقاري لقضاء عاليه، وفق ما نقل أحد معقبي المعاملات في حديثه إلى “لبنان24”.

 

وفي التفاصيل، يقول المصدر إنّ معقبي المعاملات باتوا يواجهون نمطاً من التعامل لم يسبق أن واجهوه في دوائر الشؤون العقارية، إذ إنّ الملفات متراكمة، والحصول على ورقة بات شبه “غير ممكن” إلا عبر دفع ما يُعرف بـ”الإكرامية”،بحسب تعبيره.

 

ويشير المصدر لـ”لبنان24” إلى أنّ البريد لا يتم إمضاؤه إلا بعد أن يتوجه صاحب العلاقة إلى المكتب للاستفسار عن معاملته، وبعد شهرين أو ثلاثة أشهر قد يُتخذ القرار بإحالة الملف إلى الاحتياط، ما يضع المواطن في دوامة انتظار مرهقة ومكلفة، نفسيا وماديا.

 

ويلفت المصدر أيضاً إلى أنّ عملية تسعير العقد أو المعاملة لا تتم بشكل طبيعي، اذ يتم إرسال العقد إلى عاليه، وعندما يراجع صاحب العلاقة العقد هناك، يُعاد إرساله مجدداً إلى بعبدا ليتم تسعيره، الأمر الذي يضع صاحب العلاقة في حلقة مفرغة من المراجعات والتنقلات، ويفرض عليه كلفة مادية إضافية بسبب التراخي والبطء من قبل الجهات المسؤولة.

ويؤكّد المصدر أنّ معاملات عدد من المواطنين هي فعلياً “ضائعة” وسط ضغط غير مسبوق وملفات متراكمة، مشيراً إلى أنّ حالة الغضب داخل أوساط معقبي المعاملات كبيرة”.

 

أمام هذا الواقع، لم تعد القضية قابلة للمعالجة بالمسكّنات أو الحلول المؤقتة. فالمسألة تتصل بحقوق ملكية وبمصالح مالية وبثقة الناس بإدارة يفترض أن تكون من أكثر الإدارات حساسية وانتظاماً. المطلوب اليوم تحرّك سريع من الوزارات المعنية والجهات الرقابية المختصة لكشف حقيقة ما يجري، ومحاسبة أي تقصير أو استنسابية أو ابتزاز، ووضع آلية شفافة تضمن إنجاز المعاملات بعيداً عن الفوضى والانتظار والإذلال.

 

ويبقى النداء الأوسع موجهاً إلى فخامة رئيس الجمهورية جوزاف عون.. نداء صرخة من قبل معقبي المعاملات الذين طفح كيلهم من ما يجري، لأن ما يحصل في عقارية بعبدا لم يعد ملفاً إدارياً عادياً، بل بات نموذجاً صارخاً عن انهيار ثقة المواطن بالمرفق العام. فحين تصبح المعاملة العقارية رحلة عذاب، وحين يتحوّل الحصول على إفادة أو توقيع إلى معركة يومية، فإن الدولة تكون أمام امتحان حقيقي: إما أن تستعيد هيبتها عبر المحاسبة والتنظيم، وإما أن تترك الناس رهائن للغرف البديلة والملفات الضائعة و “الإكراميات” التي تقتل ما تبقى من ثقة.