في ظل المحادثات الأميركية – الإيرانية.. هل بدأ العد التنازلي للصراع؟

ذكر موقع “The Conversation” الأسترالي أنه “عندما اجتمع مسؤولون إيرانيون وأميركيون لإجراء محادثات في العاصمة العمانية مسقط في السادس من شباط، تكهن العديد من الصحفيين والمحللين بما إذا كانت الدبلوماسية ستفشل وما إذا كانت الحرب ستتبع ذلك حتماً. لكن هذا التأطير يغفل حقيقة الوضع الراهن، والسؤال الأهم هو: لماذا عاد الطرفان إلى طاولة المفاوضات أصلاً، رغم سنوات من العداء والعقوبات والصراع بالوكالة والتهديدات الصريحة؟ إن القلق الذي أحاط بالمحادثات أمر مفهوم، فقد حذرت واشنطن مواطنيها من مغادرة إيران قبل ساعات من انعقاد المحادثات، مما زاد من التكهنات بشأن شن ضربات عسكرية، وقدّم مسؤولون أميركيون مطالب شاملة تتجاوز بكثير مجرد الرغبة في كبح طموح إيران لامتلاك أسلحة نووية. والتاريخ الحديث حافل بأمثلة على انهيار المفاوضات وتحولها إلى أعمال عنف”.

وبحسب الموقع، “لكن اعتبار المحادثات بمثابة عد تنازلي للصراع يُسيء فهم الدبلوماسية وتوازن القوى في الشرق الأوسط اليوم. فالمفاوضات ليست اختباراً وحيداً للعزيمة، ولا مقامرة عابرة على السلام، ولم تكن محادثات عُمان بمثابة حساب نهائي، بل خطوة أولى، وهي تعكس إدراكًا مشتركًا في واشنطن وطهران بأن خمسة عشر عامًا من الإكراه والضغط والقوة لم تُفضِ إلى نتائج حاسمة، وأن التصعيد الآن سيكون أشد خطورة بكثير من ذي قبل. وكما أكد الباحث الدبلوماسي جيفري بيريدج منذ زمن، فإن المرحلة الأولى لأي عملية دبلوماسية جادة هي إرساء أرضية مشتركة حول النقاط الرئيسية، ولا يمكن البدء بمفاوضات جوهرية إلا بعد وضع هذه الأرضية. لذا، ينبغي فهم المحادثات في عُمان على أنها مرحلة افتتاحية وليست جولة حاسمة”.

وتابع الموقع: “كان الهدف هو توضيح المواقف، وتحديد الخطوط الحمر، واختبار إمكانية وجود مسار دبلوماسي عملي. ووصف المسؤولون الإيرانيون الأجواء بأنها بناءة، مشيرين إلى أن الجانبين نقلا مخاوفهما ووجهات نظرهما عبر مضيفهما، وزير خارجية عُمان بدر البوسعيدي. هكذا تبدأ الدبلوماسية، لا هكذا تنتهي، وقد دعا المسؤولون الإيرانيون والأميركيون لاحقاً إلى استمرار المحادثات. بالنسبة لطهران، يُعدّ إشراك وفد أميركي في المحادثات أمراً بالغ الأهمية، فقد سعت إيران باستمرار إلى الاعتراف بها كلاعب إقليمي شرعي، لا كدولة تُجبر أو تُعزل. وتُشير رغبة وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في حضور المحادثات شخصياً إلى مدى جدية إيران في هذه المرحلة، ومدى حرصها على التوصل إلى نتيجة دبلوماسية تُرسّخ الاحترام المتبادل”.

الحوافز الواضحة

وأضاف الموقع: “بالنسبة لواشنطن، فإن الحوافز واضحة بنفس القدر. فعلى مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، استخدمت الولايات المتحدة كل أدوات الضغط المتاحة تقريبًا ضد إيران، وشملت هذه الأدوات العقوبات، والعمليات الإلكترونية، والضربات الموجهة، واغتيال شخصيات إيرانية بارزة، وإضعاف الجماعات الموالية لإيران في كل أنحاء المنطقة، والدعم المباشر لإسرائيل خلال حربها القصيرة مع إيران عام 2025. ومع ذلك، لم يُفضِ أيٌّ من ذلك إلى تغيير النظام، أو استسلام إيران، أو استقرار إقليمي دائم. وألحقت العقوبات ضرراً بالغاً بالاقتصاد الإيراني، وأضعفت شبكة طهران الإقليمية، وواجه حزب الله ضغوطاً متزايدة وضغوطاً اقتصادية في لبنان، وتكبدت حماس خسائر فادحة في غزة، وواجهت قوات الحوثيين في اليمن قيوداً بسبب الدوريات العسكرية الدولية. ومع ذلك، لا يزال النظام السياسي الإيراني الأساسي سليماً. ولم تُفضِ الاضطرابات الداخلية أيضاً إلى انهيار النظام. فالاحتجاجات الأخيرة، التي قوبلت بقمع شديد وعنيف في كثير من الأحيان، لم تُسقط نظاماً بُنيَ عمداً ليصمد أمام الضغوط الخارجية منذ عام 1979. وهذا يُبرز مفارقة جوهرية: قد تكون إيران أضعف مما كانت عليه في أي وقت مضى خلال العقود الأخيرة، لكنها ليست هشة كما يفترض العديد من المراقبين الخارجيين”.

وبحسب الموقع، “فإن تصريحات المسؤولين الأميركيين الذين يصرون على أن تشمل المحادثات برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية وتحالفاتها الإقليمية وحوكمتها الداخلية تمثل أعلى مستوى لأي موقف تفاوضي، وهذا ليس بالأمر غير المألوف. ففي الديبلوماسية، غالباً ما تكون المطالب الأولية طموحة للغاية بطبيعتها، وهي تهدف إلى خلق نفوذ بدلاً من تحديد هدف نهائي قابل للتحقيق، وهو ما يُعرف به الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ويكمن الخطر في التعامل مع هذه المطالب على أنها قابلة للتحقيق في آن واحد. من وجهة نظر طهران، لا تُعدّ هذه القضايا متكافئة. فقد أشارت إيران باستمرار إلى أن الأسلحة النووية هي المجال الوحيد الذي هي مستعدة للانخراط فيه بشكل فعّال، ويعود ذلك إلى أن برنامجها النووي قد تمّ تدويله بالفعل من خلال المعاهدات وعمليات التفتيش والاتفاقيات السابقة. كما أشارت القيادة الإيرانية مراراً وتكراراً إلى المرسوم الديني الصادر عن المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، والذي يحظر إنتاج واستخدام الأسلحة النووية بموجب الشريعة الإسلامية. يشكك صناع القرار الغربيون في مدى نفاذ هذا المرسوم قانونياً، إلا أنه يوفر لطهران إطاراً أيديولوجياً يسمح بتصوير ضبط النفس النووي داخلياً على أنه مبدأ لا مفروض من الخارج”.

وتابع الموقع: “في المقابل، تعتبر إيران وجود ترسانتها من الصواريخ الباليستية أمراً غير قابل للتفاوض. ففي منطقة تواجه فيها إيران خصوماً نوويين واختلالاً عسكرياً تقليدياً هائلاً، تُعدّ القدرات الصاروخية عنصراً أساسياً في استراتيجيتها الردعية. وبالمثل، فإن تحالفات إيران الإقليمية ليست مجرد أدوات نفوذ، بل هي امتداد لهذا الموقف الدفاعي الذي تشكّل عبر عقود من الحرب والعقوبات والعزلة. وتُعدّ مسألة الحكم الداخلي أكثر حساسية، فلا يمكن لأي فريق تفاوض إيراني قبول قيود خارجية على كيفية إدارة الجمهورية الإسلامية لشؤونها دون التشكيك في شرعية النظام الذي يمثلونه. ولذلك، تُعتبر محاولات دمج الدبلوماسية مع المطالب بالإصلاح السياسي الداخلي لا مواقف تفاوضية، بل تهديدات وجودية. إنّ دمج القيود النووية، والتراجع الإقليمي، والتحول الداخلي في إطار تفاوضي واحد يُنذر بخطر المبالغة، ويُرجّح إحراز تقدم أكبر من خلال الترتيب: معالجة القضية النووية أولاً، وبناء الثقة عبر التحقق والمعاملة بالمثل، ثم استكشاف أشكال أضيق لخفض التصعيد في أماكن أخرى. ويساعد فهم هذا على تفسير إمكانية استمرار المحادثات رغم الخطاب الحاد والإشارات العسكرية”.

وبحسب الموقع، “يشير وصف عراقجي للمحادثات في مسقط بأنها “بداية جيدة” حيث تمكن الجانبان من التعبير عن مصالحهما ومخاوفهما، فضلاً عن تعبيره اللاحق عن أمله في إجراء المزيد من المفاوضات، إلى أن الديبلوماسية لا تزال الخيار المفضل لإيران، وينطبق الأمر نفسه على الأرجح على الولايات المتحدة. نادرًا ما أسفر التدخل العسكري عن نتائج مستقرة في تاريخ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الحديث، فإزاحة صدام حسين في العراق، ومعمر القذافي في ليبيا، وانهيار سلطة الدولة في سوريا، لم تُحقق سلامًا فوريًا أو ديمقراطية حقيقية، بل خلّفت فراغات في السلطة، وحروبًا بالوكالة، ونزوحًا جماعيًا، وعدم استقرار مزمن. إيران أكبر حجماً، وأكثر رسوخاً مؤسسياً، وأكثر انخراطاً في الديناميات الإقليمية من أي من تلك الحالات، وإن أي صراع تشارك فيه الجمهورية الإسلامية سيكون أطول أمداً، وأكثر تدميراً، وأصعب بكثير في احتواءه”.

وختم الموقع: “لا يكمن الخطر الحقيقي في فشل الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة، بل في رفضها سريعاً. فالمفاوضات عملية تدريجية، غالباً ما تكون محبطة، ونادراً ما تكون ذات مسار خطي، ولكن في هذه الحالة، قد تُمثل الاستراتيجية الوحيدة المتاحة لكلا الجانبين. تتجنب إيران حربًا خاسرة، وتتجنب الولايات المتحدة مستنقعًا آخر في الشرق الأوسط، وتكتسب المنطقة فرصةً هشةً لكنها حيوية للخروج من أزمة دائمة. وبهذا المعنى، قد تمثل المحادثات بحد ذاتها التقدم الأهم الممكن”.