ولم تعد هذه المسيرات مجرد سلاح إسناد، بل أصبحت المحرك الأساسي لإعادة تشكيل موازين القوى، من خلال تنفيذ ضربات دقيقة وقدرة هائلة على الإغراق الجوي؛ ما جعل “حرب الدرونز” العامل الأكثر حسمًا في استنزاف القدرات التقليدية للطرفين.
وتشهد أوكرانيا طفرة إنتاجية غير مسبوقة في الطائرات المسيرة، حيث ارتفع الإنتاج من 2.2 مليون وحدة في 2024 إلى 4.5 مليون في 2025، وفق بيانات موقع “UnHerd”.
وفي أيلول 2025 كشف وزير التحول الرقمي الأوكراني ميخايلو فيدوروف أن وحدات الطائرات المسيرة سجلت أكثر من 18 ألف إصابة لجنود روس، وهو ضعف الرقم قبل عام.
وتخطط القوات الأوكرانية لرفع عدد القوات الروسية المستهدفة إلى 50–60 ألف شهريًا في 2026، وهو ما يعادل تقريبًا نصف الجيش الروسي خلال عام كامل.
تعتمد الثورة الأوكرانية على الذكاء الاصطناعي وأنظمة البيانات الضخمة، حيث يتيح نظام «Delta» تدفقات يومية من الفيديو والصور والصوت والنص لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي في بيئات آمنة، مع إمكانية وصول الشركات الخاصة إلى بيانات تدريب مخصصة دون خروجها من الشبكات الحكومية.
وشهدت ساحة القتال اعتماد تقنية “السرب” التي استخدمت في أكثر من 100 عملية خلال صيف 2025، مع أسراب تتراوح بين 3 إلى 8 طائرات، وتم اختبار برامج تصل إلى 25 طائرة.
وفي السياق ذاته، دخلت الروبوتات الأرضية الميدان، إذ أعلن الجيش الأوكراني عن نشر طائرة أرضية مسلحة لحماية خط المواجهة لمدة 6 أسابيع.
وقد ازدادت خسائر المعدات الأوكرانية في 2025 مقارنة بالخسائر الروسية، بحسب “Oryx”، وأكد الجنرال فاليري زالوزني أن فكرة المنطقة الخلفية الآمنة تتلاشى، في إشارة إلى توسع نطاق الهجمات الروسية.
ومن ناحية أخرى، استجابت موسكو بتشكيل وحدة “روبيكون” النخبوية للطائرات المسيرة في آب 2024، وبلغت 7 وحدات بحلول ربيع 2025، كل منها يضم 130 إلى 150 فردًا.
وتعتمد “روبيكون” على تخصصات تقنية دقيقة، من اعتراض طائرات “FPV” إلى استهداف المشغلين خلف الخطوط؛ ما أدى إلى خسائر كبيرة في مشغلي الطائرات الأوكرانية.
كما تطور الإنتاج الروسي من طائرات “شاهد” بشكل هائل، بعد صفقة مع إيران، حيث بلغت 6 آلاف وحدة بحلول أيلول 2025 مع إنتاج شهري يزيد على 5,500 طائرة وخفض تكلفة الوحدة من 200 ألف دولار في 2022 إلى نحو 70 ألفًا في 2025.
وفي نهاية 2025، بدأت روسيا تجهيز طائرات “مولنيا-2” بأنظمة “ستارلينك” لزيادة مدى الطيران إلى أكثر من 230 كيلومترًا هو ما يوسّع رقعة الاستهداف خلف الخطوط، ويضع أوكرانيا أمام تحدٍّ متصاعد في 2026.
وأضاف الخبراء في تصريحات لـ«إرم نيوز» أن دمج المسيرات منخفضة التكلفة في العقيدة القتالية الأوكرانية أعاد رسم معادلات التفوق العسكري، حيث لم يعد الحسم مرتبطًا بحجم الترسانة أو كلفة المنصات بل بسرعة الابتكار والإنتاج اللامركزي والقدرة على استنزاف الخصم اقتصاديًّا وعسكريًّا.
وأكد الدكتور سعيد سلام، مدير مركز فيجن للدراسات الإستراتيجية في أوكرانيا، أن الحرب الروسية على أوكرانيا لم تعد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى نقطة انعطاف تاريخية في مفاهيم القتال الحديث، مع بروز ما وصفه بـ«الثورة الجوية الأوكرانية».
وفي تصريح لـ«إرم نيوز» قال سلام، إن هذه الثورة كشفت هشاشة جوهرية في القدرات الروسية التي طالما اعتُبرت منيعة، وأعادت تعريف مفاهيم التفوق والسيطرة الجوية في الحروب المعاصرة، خاصة في ظل الاستخدام الذكي للطائرات المسيّرة كأداة قتالية ونفسية في آن واحد.
وأوضح مدير مركز فيجن أن أوكرانيا طوّرت لاحقًا منظومة صناعية لامركزية قادرة على إنتاج أعداد ضخمة من المسيّرات، شملت مسيرات “FPV” منخفضة التكلفة، وأخرى استطلاعية وانتحارية بعيدة المدى، لتصبح هذه المنظومة العمود الفقري لقدرتها القتالية.
ولفت إلى أن هذا التحول أحدث «دمقرطة» للقوة الجوية، إذ بات التأثير في عمق أراضي الخصم ممكنًا عبر تكنولوجيا منخفضة التكلفة؛ ما نقل المعركة إلى الداخل الروسي وأضعف البنية الاقتصادية والعسكرية للحرب.
وأكد سلام، أن السباق المتسارع في تطوير المسيرات يرسم ملامح حروب المستقبل، حيث لم يعد التفوق مرتبطًا بالمنصات الأغلى بل بالابتكار السريع والإنتاج المرن، مع تراجع الفاصل بين الجبهة والعمق الإستراتيجي، وبروز ما وصفه ببدايات «الحرب الخوارزمية» المعتمدة على الذكاء الاصطناعي واتخاذ القرار شبه المستقل.











اترك ردك