لبنان أمام أزمة أطفال: الجوع والفقر والنزوح يهددون جيلاً كاملاً

يكشف تقييم جديد أجرته اليونيسف في لبنان أن الأزمة الاقتصادية الممتدة، بالتزامن مع تداعيات الأعمال العدائية، دفعت الأسر إلى مستويات متقدمة من العجز عن تأمين احتياجاتها الأساسية، إذ أفادت المنظمة بأن أربع أسر من كل خمس تواجه صعوبة في تحمّل كلفة الاحتياجات الأساسية.

التقييم، الذي نشرته اليونيسف في 30 أيلول 2026 تحت عنوان «كابوس مستمر» (An Enduring Nightmare)، يرسم صورة شديدة القسوة لأوضاع الأطفال والشباب في لبنان، حيث لم تعد تداعيات الأزمة مقتصرة على تراجع القدرة الشرائية أو فقدان الدخل، بل باتت تنعكس مباشرة على الغذاء والرعاية الصحية والتعليم، وصولاً إلى اضطرار بعض الأطفال إلى دخول سوق العمل.
وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية لأنها تأتي بعد سنوات من الأزمة الاقتصادية التي بدأت أواخر عام 2019، ثم سلسلة من الصدمات الأمنية والعسكرية التي أدت إلى نزوح واسع النطاق وتدمير منازل ومرافق عامة وتعطيل النشاط الاقتصادي في مناطق واسعة من البلاد.
 الجوع يدخل إلى المنازل
أخطر مؤشرات الأزمة يظهر في قدرة الأسر على تأمين الغذاء لأطفالها.
فبحسب تقييم اليونيسف، 22 في المئة من الأسر التي شملها المسح أفادت بأن أطفالها ذهبوا إلى النوم جائعين، فيما لا تتمكن سوى 10 في المئة من الأسر التي لديها أطفال دون الخامسة من توفير نظام غذائي متنوع بما يكفي لتلبية احتياجاتهم الغذائية.
ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن جميع الأسر التي تعاني من صعوبات مالية وصلت إلى مرحلة انعدام الغذاء، لكنها تكشف عن اتساع نطاق الأسر التي باتت تضطر إلى تقليص نوعية الغذاء أو كميته، وهو ما تؤكده أيضاً بيانات الأمن الغذائي الصادرة عن برنامج الأغذية العالمي ووكالات الأمم المتحدة.
ففي تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC، الصادر في نيسان 2026، قُدّر أن 1.24 مليون شخص، أي نحو ربع السكان الذين شملهم التحليل، سيواجهون مستويات من انعدام الأمن الغذائي المصنفة «أزمة» أو أسوأ بين نيسان وآب 2026، مقارنة بنحو 874 ألف شخص، أو 17 في المئة، خلال الفترة الممتدة من تشرين الثاني 2025 إلى آذار 2026.

ويعزو التحليل هذا التدهور إلى تداخل النزاع والنزوح والضغوط الاقتصادية، إضافة إلى ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية واضطراب سلاسل الإمداد والأسواق في المناطق المتأثرة بالقتال.
 الأزمة لا تتوقف عند الطعام
المشكلة الأعمق أن الأسرة التي تعجز عن تأمين الغذاء تصبح أكثر عرضة للتخلي عن احتياجات أخرى أساسية.
وتشير بيانات اليونيسف إلى أن 31 في المئة من الأسر أفادت بأن أطفالاً فيها لم يحصلوا على الرعاية الصحية التي كانوا يحتاجون إليها، وكان السبب الرئيسي في ذلك عدم قدرة الأسرة على تحمّل التكلفة.
وهنا تظهر إحدى أكثر حلقات الأزمة خطورة: عندما ينخفض دخل الأسرة أو ترتفع كلفة المعيشة، يبدأ الإنفاق على الصحة والتعليم بالتراجع، فيما تصبح الاحتياجات الغذائية أكثر إلحاحاً، ما يدفع الأسرة إلى ترتيب أولوياتها على حساب حقوق أساسية للأطفال.
 الأطفال يدفعون الثمن في سوق العمل
من أكثر المؤشرات إثارة للقلق ارتفاع نسبة الأسر التي أفادت بوجود طفل واحد على الأقل منخرط في سوق العمل.
فقد قالت 14 في المئة من الأسر التي شملها تقييم اليونيسف إن لديها طفلاً واحداً على الأقل يعمل، وهي نسبة تزيد بأكثر من الضعف مقارنة بما سجلته اليونيسف في كانون الثاني 2025.
وهذا التطور يعكس انتقال الأزمة من مجرد تراجع في مستوى معيشة الأسرة إلى آليات تكيّف قد تكون لها آثار طويلة الأمد على الأطفال، إذ يمكن أن يعني دخول الطفل إلى سوق العمل ساعات أقل في المدرسة، وانقطاعاً عن التعليم، وزيادة التعرض لمخاطر الاستغلال والعمل غير الآمن.
وبذلك تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة في فرص الجيل المقبل، وليس فقط في الظروف المعيشية الحالية.
 التعليم أمام خسارة مزدوجة: المدرسة والتعلّم
لم تسلم المدرسة من تداعيات الحرب والأزمة المالية.وتشير اليونيسف إلى أن نحو 436 مدرسة ومنشأة تعليمية تعرضت للضرر أو التدمير، ما يضع نحو 100 ألف طفل أمام خطر عدم توفر صف دراسي لهم، فيما قتل أو أصيب 86 معلماً ومعلمة.
وتوضح بيانات اليونيسف أن المشكلة لا تقتصر على تضرر الأبنية. فقد أفادت 46 في المئة من الأسر بأنها خفضت إنفاقها على التعليم، بينما قالت 17 في المئة إن أطفالها اضطروا إلى التوقف عن الذهاب إلى المدرسة.
أما الأطفال الذين استمروا في التعليم، فقالت 29 في المئة من الأسر إن أبناءها لم يتمكنوا من التعلم بالمستوى المتوقع، وغالباً ما ارتبط ذلك بصعوبة التركيز والضائقة النفسية.
وهذا يعني أن عودة الطفل إلى المدرسة لا تعني بالضرورة عودته إلى مستوى التعلم الطبيعي، إذ يمكن أن يبقى أثر النزوح والخوف والضغط النفسي والفجوات التعليمية السابقة حاضراً حتى بعد استئناف الدراسة.
وكانت اليونيسف قد أشارت في تقرير منفصل حول القطاع التعليمي إلى أن مسحاً أجرته وزارة التربية والتعليم العالي، بدعم منها، وشمل 1,089 مرفقاً تعليمياً، أظهر تضرر 436 مرفقاً وتدمير 37 منها.
 770 ألف طفل تحت الضغط النفسي
إذا كانت أضرار المدارس والمنازل قابلة للقياس، فإن الأضرار النفسية أكثر تعقيداً، لكنها لا تقل خطورة.
وتقدّر اليونيسف أن 770 ألف طفل عانوا من ضائقة نفسية خلال الأشهر الستة الماضية.
كما أفادت أكثر من نصف الأسر بأن الرفاه النفسي لأطفالها تراجع، بينما قالت 63 في المئة من الأسر إن أطفالها كانوا يشعرون في القلق أو التوتر.
وتربط اليونيسف هذه النتائج بالتعرض المتكرر للعنف والنزوح وفقدان الأحباء وتدمير المنازل والمدارس والخدمات الأساسية.
وكانت المنظمة قد حذرت في حزيران 2026، بعد أكثر من 100 يوم على تصاعد الأعمال العدائية، من أن أكثر من 770 ألف طفل كانوا يعانون من مستويات مرتفعة من الضائقة النفسية نتيجة التعرض المتكرر للعنف والخسارة والنزوح.
 الحرب تترك أثراً جسدياً لا يمكن تجاهله
إلى جانب الجوع والفقر والنزوح والضغط النفسي، تكشف الأرقام عن كلفة بشرية مباشرة على الأطفال.
فمنذ 2 آذار 2026، قُتل ما لا يقل عن 261 طفلاً وأصيب 1,056 آخرون، وفق اليونيسف، أي ما يعادل في المتوسط سبعة أطفال بين قتيل وجريح يومياً خلال ستة أشهر.
وتقدّر المنظمة أن 12 في المئة من الأطفال الذين أصيبوا باتوا يعيشون مع إعاقة دائمة، ما يعني أن جزءاً من آثار الحرب سيستمر بعد توقف العمليات العسكرية، من خلال الحاجة إلى العلاج وإعادة التأهيل والخدمات المتخصصة.
 الشباب أيضاً خارج دائرة الأمان
لا تتوقف المشكلة عند الأطفال الأصغر سناً.
فتقييم سابق لليونيسف خلال عام 2026 أظهر أن 22 في المئة فقط من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً كانوا ملتحقين بالتعليم أو الجامعة، فيما بلغت نسبة العاطلين عن العمل بينهم 67 في المئة في وقت إجراء التقييم.
وتشير المنظمة إلى أن العوائق المالية تشكل أحد الأسباب الرئيسية التي تحول دون مواصلة التعليم، ما يضع فئة الشباب أمام معادلة صعبة: فرص تعليمية محدودة، وسوق عمل ضعيف، وتداعيات نزاع طويل الأمد.
 النزوح يضاعف هشاشة الأسر
وتتداخل كل هذه العوامل مع النزوح الذي فرضته الحرب.
فبحسب اليونيسف، أدت الأعمال العدائية في 2026 إلى نزوح أكثر من مليون شخص، بينهم نحو 390 ألف طفل، فيما أغلقت مدارس أو تضررت أو استخدمت كمراكز إيواء.
وفي المناطق المتأثرة مباشرة بالنزاع، لا تواجه الأسرة النازحة مشكلة فقدان المنزل فقط، بل خسارة الدخل، وارتفاع كلفة السكن، وصعوبة الوصول إلى المدرسة والرعاية الصحية، واضطراب الحياة اليومية للأطفال.
وفي المقابل، يؤدي النزوح إلى زيادة الضغط على المجتمعات المضيفة والخدمات العامة، في وقت تواجه فيه الدولة أصلاً قيوداً مالية وقدرة محدودة على تمويل الخدمات الأساسية.
 الجنوب في قلب الأزمة الغذائية
وتظهر بيانات الأمن الغذائي أن المناطق الأكثر تأثراً ليست موزعة بالتساوي.
فقد سجل تحليل IPC تدهوراً حاداً في المناطق المتضررة من النزاع، ولا سيما بنت جبيل ومرجعيون وصور والنبطية، تليها مناطق في بعلبك–الهرمل، نتيجة النزوح واضطراب الأسواق وصعوبة الوصول إلى مصادر الدخل والغذاء.
كما تأثر القطاع الزراعي نفسه، نتيجة الأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية، ونزوح المزارعين، وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية، وصعوبة الوصول إلى الأراضي، واستمرار المخاطر الأمنية.
وهذا عامل بالغ الأهمية بالنسبة إلى الأمن الغذائي، لأن تراجع الإنتاج المحلي لا ينعكس فقط على المزارعين، بل يمكن أن يؤدي إلى زيادة الاعتماد على الأسواق والاستيراد في وقت ترتفع فيه تكاليف النقل والطاقة والأسعار.
 الأزمة ليست حرباً فقط
تكشف مجمل المؤشرات أن الواقع الاجتماعي الحالي في لبنان لا يمكن تفسيره بالنزاع وحده.
فالبلاد تدخل التصعيد العسكري وهي تحمل أصلاً إرثاً ثقيلاً من الأزمة الاقتصادية، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف الخدمات العامة، وتراجع قدرة الأسر على الإنفاق على الصحة والتعليم.
ويقول برنامج الأغذية العالمي إن تدهور الأمن الغذائي خلال 2026 نتج عن تلاقي عدة صدمات: النزوح، وتعطّل سبل كسب الرزق، واضطراب الأسواق وسلاسل التوريد، وارتفاع الأسعار، وتراجع المساعدات الإنسانية .
وبالتالي، فإن الحرب لم تشكل بداية الأزمة الاجتماعية في لبنان، لكنها عمّقت هشاشتها ووسّعت دائرة الأسر غير القادرة على الصمود.
 الخطر الأكبر: خسارة جيل كامل
المؤشرات المتقاطعة بين الغذاء والصحة والتعليم والعمل والصحة النفسية تقود إلى نتيجة أساسية: الخطر لا يقتصر على الوضع الإنساني الآني، بل يمتد إلى مستقبل الأطفال.
فالطفل الذي ينام جائعاً، أو ينقطع عن المدرسة، أو لا يحصل على العلاج، أو يدخل سوق العمل مبكراً، أو يعيش تحت ضغط الخوف والنزوح، لا يواجه مشكلة منفصلة، بل سلسلة مترابطة من الحرمان يمكن أن تتراكم آثارها مع مرور الوقت.
ولهذا حذرت اليونيسف من أن استمرار الضغوط من دون تحرك عاجل ومستدام قد يجعل جيلاً كاملاً من الأطفال والشباب يحمل آثار الأزمة معه إلى مرحلة البلوغ.
والأرقام الأخيرة تقدم صورة واضحة: الأزمة في لبنان لم تعد تقاس فقط بعدد الأسر التي فقدت دخلها أو المنازل التي تضررت، بل بعدد الأطفال الذين فقدوا وجبة، أو مقعداً دراسياً، أو فرصة للعلاج، أو جزءاً من طفولتهم.