ليس ما يجري في الإقليم مجرد حرب عابرة، بل مرحلة تأسيسية لما بعدها. كل طرف يقاتل اليوم، لكنه في الوقت نفسه يتهيأ ليحجز موقعه في التسوية المقبلة. وفي قلب هذا المشهد، يقف لبنان عند الخط الأكثر حساسية، حيث تتقاطع حسابات الداخل مع صراعات الخارج، وتُرسم معالم مرحلة جديدة لم تتضح بالكامل بعد.
في لبنان، تبدو الصورة أكثر حدّة. القوى السياسية تنتظر نتائج الحرب لتبني خياراتها، فيما الأرض جنوبًا تشهد اختبارًا مباشرًا لموازين القوة. في هذا السياق، لا يتعامل حزب الله مع المعركة بوصفها جولة تكتيكية، بل كاستحقاق وجودي. المعادلة بالنسبة إليه واضحة: تثبيت موقعه ضمن توازن جديد، أو مواجهة محاولة كسره بالكامل.
هذا لا يعني أن الحزب لا يدفع أثمانًا، بل يعني أنه لا يرى في الخسارة الميدانية وحدها معيار الحسم. على العكس، يبدو أنه يراكم على عامل الزمن، وعلى استنزاف الخصم، أكثر من السعي إلى منع كل تقدم ميداني. هنا، تبرز مقاربة مختلفة عن مراحل سابقة، حيث لا يُستبعد أن يتحول أي توغل إسرائيلي إلى فرصة لإغراق الجيش الإسرائيلي في بيئة استنزاف طويلة، بدل الاكتفاء بصدّه عند الحدود.
هذه المقاربة ليست منفصلة عن تجربة تاريخية لبنانية. فمنذ اتفاق القاهرة 1969، دخل لبنان في مسار اصطفافات داخلية وخارجية، حيث لم تُقارب الدولة ككيان سيادي متكامل، بل كساحة توازنات. تعاقبت الصيغ، لكن الطائفية بقيت الإطار الناظم لإعادة إنتاج السلطة، لا لبناء الدولة.
حتى بعد اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية، لم تُستكمل عملية بناء الدولة. أزال الطائف اختلالًا في التوازن السياسي، لكنه لم يُنتج نظامًا فعّالًا، بل كرّس صيغة قائمة على تقاسم النفوذ. وعندما دخلت سوريا مرحلة إدارة لبنان بعد الطائف، حافظت على هذا التوازن الطائفي، ولم تدفع باتجاه إلغائه، خشية ارتداداته الداخلية، خصوصًا في ظل صعود شخصيات مثل رفيق الحريري وما مثّله من نموذج سياسي واقتصادي قابل للتمدد.
بعد عام 2005، دخل لبنان مرحلة جديدة من الانقسام. ورغم صعود حزب لله كقوة رئيسية، خصوصًا بعد حرب 2006، لم يتجه الحزب نحو تغيير جذري في بنية النظام. بل على العكس، انخرط في توازناته، وأعاد إنتاج جزء من الصيغة القائمة، كما ظهر في التسويات التي أوصلت ميشال عون إلى الرئاسة، وفي القوانين الانتخابية التي حافظت على التمثيل الطائفي وإن بصيغ مختلفة.
في هذا المسار، لم تكن التحالفات ثابتة. تعرض الحزب لطعنات سياسية من أكثر من حليف، فيما بقيت علاقته مع نبيه بري وحركة أمل الأكثر ثباتًا. أما وليد جنبلاط، فحافظ على موقع خاص، جمع بين الخصومة السياسية وعدم الانخراط في مواجهات كسر كبرى.
اليوم، ومع اقتراب الحرب من لحظة مفصلية، يعود السؤال الداخلي بقوة: ماذا بعد؟
المعطيات تشير إلى أن وقف إطلاق النار سيأتي عاجلًا أم آجلًا، وأن مرحلة هدوء نسبي قد تمتد لسنوات. لكن هذا الهدوء لن يعني عودة إلى ما قبل الحرب، بل انتقالًا إلى مرحلة إعادة تشكيل داخلية. المجتمعات العربية، التي شهدت تحولات كبرى، قد تعود إلى مسارات مقاومة، خصوصًا في ظل تعنت إسرائيلي مستمر، ما يعيد إنتاج بيئات داعمة لخيار المواجهة في أكثر من ساحة.
في لبنان، لم يعد المشهد يحتمل أنصاف الحلول. النقاش سلاح حزب الله، في ظل قرارات حكومية متسرعة أو ضغوط خارجية، لا يمكن فصله عن الواقع الشعبي والسياسي. الحديث عن مئات آلاف الأنصار، وعن بيئة حاضنة واسعة، يجعل أي مقاربة أحادية غير قابلة للحياة.
من هنا، يصبح النقاش أعمق من مجرد “سلاح” أو “نزعه”. المسألة تتعلق ببنية الدولة نفسها. المطلوب ليس فقط معالجة ملف السلاح، بل إعادة بناء النظام السياسي على أسس مختلفة. تطبيق اتفاق الطائف بما يتضمنه من إصلاحات، وعلى رأسها الخروج من القيد الطائفي السياسي، يصبح مدخلًا إلزاميًا لأي استقرار مستدام.
إلغاء المناصفة بالشكل القائم، أو إعادة النظر في آلياتها، ليس طرحًا صداميًا بقدر ما هو محاولة لإعادة إنتاج دولة قادرة على العمل. فالدولة التي تُدار عبر توازنات طائفية جامدة، تبقى عاجزة عن اتخاذ قرارات سيادية، وتظل عرضة للاهتزاز مع كل استحقاق.
أما سلاح المقاومة، فلا يمكن مقاربته بقرارات فوقية أو بإملاءات خارجية. هذا الملف، بحجمه وتعقيداته، يحتاج إلى مقاربة وطنية شاملة، تبدأ من تثبيت السيادة، وتمر عبر إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، وصولًا إلى نقاش وطني شامل قد يأخذ شكل استفتاء عام، يحدد فيه اللبنانيون بأنفسهم مستقبل هذه المسألة.
في الإطار الإقليمي، لا يمكن فصل لبنان عن التحولات المحيطة. النفوذ التركي يتقدم، والدور القطري مرشح للتعاظم، في محاولة لإنتاج توازن بين المحورين الإيراني والأميركي. في المقابل، تتحرك مصر لاستعادة موقعها، في ظل تقاطع مصالحها مع تركيا في مواجهة أي تمدد إسرائيلي في المنطقة.
أما إيران، فهي تتعامل مع المعركة بوصفها معركة مصير، وترفض أي تسوية تُفهم كمدخل لإضعافها جذريًا. وفي المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مأزق إدارة حرب مفتوحة في ظل أولويات عالمية متشابكة.
في المحصلة، ما يقترب ليس نهاية صراع، بل بداية مرحلة جديدة من التوازنات القسرية.
لبنان، في قلب هذه التحولات، لن يكون كما كان.
والسؤال لم يعد إن كان سيتغير… بل كيف، ولصالح من؟
في لبنان، تبدو الصورة أكثر حدّة. القوى السياسية تنتظر نتائج الحرب لتبني خياراتها، فيما الأرض جنوبًا تشهد اختبارًا مباشرًا لموازين القوة. في هذا السياق، لا يتعامل حزب الله مع المعركة بوصفها جولة تكتيكية، بل كاستحقاق وجودي. المعادلة بالنسبة إليه واضحة: تثبيت موقعه ضمن توازن جديد، أو مواجهة محاولة كسره بالكامل.
هذا لا يعني أن الحزب لا يدفع أثمانًا، بل يعني أنه لا يرى في الخسارة الميدانية وحدها معيار الحسم. على العكس، يبدو أنه يراكم على عامل الزمن، وعلى استنزاف الخصم، أكثر من السعي إلى منع كل تقدم ميداني. هنا، تبرز مقاربة مختلفة عن مراحل سابقة، حيث لا يُستبعد أن يتحول أي توغل إسرائيلي إلى فرصة لإغراق الجيش الإسرائيلي في بيئة استنزاف طويلة، بدل الاكتفاء بصدّه عند الحدود.
هذه المقاربة ليست منفصلة عن تجربة تاريخية لبنانية. فمنذ اتفاق القاهرة 1969، دخل لبنان في مسار اصطفافات داخلية وخارجية، حيث لم تُقارب الدولة ككيان سيادي متكامل، بل كساحة توازنات. تعاقبت الصيغ، لكن الطائفية بقيت الإطار الناظم لإعادة إنتاج السلطة، لا لبناء الدولة.
حتى بعد اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية، لم تُستكمل عملية بناء الدولة. أزال الطائف اختلالًا في التوازن السياسي، لكنه لم يُنتج نظامًا فعّالًا، بل كرّس صيغة قائمة على تقاسم النفوذ. وعندما دخلت سوريا مرحلة إدارة لبنان بعد الطائف، حافظت على هذا التوازن الطائفي، ولم تدفع باتجاه إلغائه، خشية ارتداداته الداخلية، خصوصًا في ظل صعود شخصيات مثل رفيق الحريري وما مثّله من نموذج سياسي واقتصادي قابل للتمدد.
بعد عام 2005، دخل لبنان مرحلة جديدة من الانقسام. ورغم صعود حزب لله كقوة رئيسية، خصوصًا بعد حرب 2006، لم يتجه الحزب نحو تغيير جذري في بنية النظام. بل على العكس، انخرط في توازناته، وأعاد إنتاج جزء من الصيغة القائمة، كما ظهر في التسويات التي أوصلت ميشال عون إلى الرئاسة، وفي القوانين الانتخابية التي حافظت على التمثيل الطائفي وإن بصيغ مختلفة.
في هذا المسار، لم تكن التحالفات ثابتة. تعرض الحزب لطعنات سياسية من أكثر من حليف، فيما بقيت علاقته مع نبيه بري وحركة أمل الأكثر ثباتًا. أما وليد جنبلاط، فحافظ على موقع خاص، جمع بين الخصومة السياسية وعدم الانخراط في مواجهات كسر كبرى.
اليوم، ومع اقتراب الحرب من لحظة مفصلية، يعود السؤال الداخلي بقوة: ماذا بعد؟
المعطيات تشير إلى أن وقف إطلاق النار سيأتي عاجلًا أم آجلًا، وأن مرحلة هدوء نسبي قد تمتد لسنوات. لكن هذا الهدوء لن يعني عودة إلى ما قبل الحرب، بل انتقالًا إلى مرحلة إعادة تشكيل داخلية. المجتمعات العربية، التي شهدت تحولات كبرى، قد تعود إلى مسارات مقاومة، خصوصًا في ظل تعنت إسرائيلي مستمر، ما يعيد إنتاج بيئات داعمة لخيار المواجهة في أكثر من ساحة.
في لبنان، لم يعد المشهد يحتمل أنصاف الحلول. النقاش سلاح حزب الله، في ظل قرارات حكومية متسرعة أو ضغوط خارجية، لا يمكن فصله عن الواقع الشعبي والسياسي. الحديث عن مئات آلاف الأنصار، وعن بيئة حاضنة واسعة، يجعل أي مقاربة أحادية غير قابلة للحياة.
من هنا، يصبح النقاش أعمق من مجرد “سلاح” أو “نزعه”. المسألة تتعلق ببنية الدولة نفسها. المطلوب ليس فقط معالجة ملف السلاح، بل إعادة بناء النظام السياسي على أسس مختلفة. تطبيق اتفاق الطائف بما يتضمنه من إصلاحات، وعلى رأسها الخروج من القيد الطائفي السياسي، يصبح مدخلًا إلزاميًا لأي استقرار مستدام.
إلغاء المناصفة بالشكل القائم، أو إعادة النظر في آلياتها، ليس طرحًا صداميًا بقدر ما هو محاولة لإعادة إنتاج دولة قادرة على العمل. فالدولة التي تُدار عبر توازنات طائفية جامدة، تبقى عاجزة عن اتخاذ قرارات سيادية، وتظل عرضة للاهتزاز مع كل استحقاق.
أما سلاح المقاومة، فلا يمكن مقاربته بقرارات فوقية أو بإملاءات خارجية. هذا الملف، بحجمه وتعقيداته، يحتاج إلى مقاربة وطنية شاملة، تبدأ من تثبيت السيادة، وتمر عبر إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، وصولًا إلى نقاش وطني شامل قد يأخذ شكل استفتاء عام، يحدد فيه اللبنانيون بأنفسهم مستقبل هذه المسألة.
في الإطار الإقليمي، لا يمكن فصل لبنان عن التحولات المحيطة. النفوذ التركي يتقدم، والدور القطري مرشح للتعاظم، في محاولة لإنتاج توازن بين المحورين الإيراني والأميركي. في المقابل، تتحرك مصر لاستعادة موقعها، في ظل تقاطع مصالحها مع تركيا في مواجهة أي تمدد إسرائيلي في المنطقة.
أما إيران، فهي تتعامل مع المعركة بوصفها معركة مصير، وترفض أي تسوية تُفهم كمدخل لإضعافها جذريًا. وفي المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مأزق إدارة حرب مفتوحة في ظل أولويات عالمية متشابكة.
في المحصلة، ما يقترب ليس نهاية صراع، بل بداية مرحلة جديدة من التوازنات القسرية.
لبنان، في قلب هذه التحولات، لن يكون كما كان.
والسؤال لم يعد إن كان سيتغير… بل كيف، ولصالح من؟












اترك ردك