فقد تزامنت الزيارة مع احتدام النقاش اللبناني حول “اتفاق الإطار”، ومستقبل سلاح حزب الله، ودور الدولة في مرحلة ما بعد الحرب، فيما جاءت دمشق لتبعث برسالة مختلفة مفادها أن علاقتها بلبنان ستُبنى هذه المرة على قواعد الدولة والسيادة والتنسيق بين المؤسسات، لا على إرث الوصاية أو التدخل في الشؤون الداخلية.
ولعل المشهد الأكثر دلالة كان الاستقبال الحافل الذي خصّ به رئيس مجلس النواب نبيه بري الوزير السوري في عين التينة. فالحفاوة لم تكن مجرد مجاملة دبلوماسية، بل عكست اقتناعاً لدى بري بأن سوريا الجديدة تتجه إلى مقاربة مختلفة للعلاقة مع لبنان، قوامها احترام السيادة المتبادلة، وتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي، وإدارة الملفات المشتركة عبر القنوات الرسمية.
وبحسب الأجواء التي رافقت اللقاء، فإن الرسائل تجاوزت الإطار الثنائي، سواء من خلال دعوة الرئيس السوري أحمد الشرع بري إلى زيارة دمشق، أو عبر التأكيد السوري أن استقرار لبنان يمثل أولوية، وأن المرحلة المقبلة ستقوم على التعاون في ملفات الحدود، ومكافحة التهريب، والتنسيق الاقتصادي، بعيداً عن أي مقاربة أمنية أو عسكرية عرفها البلدان في مراحل سابقة.
لكن قراءة الزيارة لا تكتمل من دون وضعها في إطارها الإقليمي. فلبنان لم يعد ساحة تتأثر فقط بالعلاقة اللبنانية – السورية، بل بات جزءاً من شبكة أوسع من التفاهمات والتقاطعات، وفي مقدمها العلاقة الإيرانية – التركية، التي تلقي بظلالها على المشهد اللبناني، سواء في موازين القوى أو في إدارة الاستقرار.
فأنقرة، التي عززت موقعها الإقليمي خلال السنوات الأخيرة، تنظر إلى استقرار لبنان باعتباره امتداداً لاستقرار سوريا، واستقرار سوريا امتداداً لاستقرار تركيا، انطلاقاً من معادلة أمنية واضحة مفادها أن الخاصرة الرخوة لسوريا هي لبنان، وأن أي اضطراب في الداخل اللبناني ستكون له انعكاسات مباشرة على الداخل السوري.
ومن هنا، تبرز الرغبة التركية في تكريس الاستقرار اللبناني بوصفه جزءاً من مشروع أوسع لإعادة ترتيب الإقليم، ولا سيما في ظل تنامي الدور التركي داخل المنظومة الغربية، مع استضافة أنقرة قمة حلف شمال الأطلسي في السابع من تموز الجاري بمشاركة واسعة لقادة الدول الأعضاء وشركاء الحلف، وما تمثله من تثبيت لموقعها لاعباً محورياً بين الشرق والغرب، وهو موقع يمنحها قدرة أكبر على التأثير في ملفات المنطقة.
وفي موازاة ذلك، تبدو تركيا مرشحة لملء جزء من الفراغ الذي خلّفه تراجع الدور الفرنسي في لبنان، سواء عبر انفتاحها على مختلف القوى السياسية أو من خلال قدرتها على لعب دور الوسيط مع عدد من العواصم الأوروبية. وتذهب بعض القراءات إلى حد اعتبار أن أنقرة قد تتحول خلال المرحلة المقبلة إلى قناة تواصل غير مباشرة بين حزب الله والأوروبيين والدول الغربية.
ورغم الفتور الذي يطبع العلاقة بين رئاسة الجمهورية العماد جوزاف عون وأنقرة، فإن زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى أنقرة، ومشاركته في معرض SAHA 2026 الدولي للصناعات الدفاعية والطيران والفضاء في إسطنبول، حظيت باهتمام تركي واسع.
ومن التداعيات السياسية غير المباشرة للعلاقات الإيرانية – التركية أنها أسهمت في تهدئة الحملات التي استهدفت رئيس الحكومة نواف سلام خلال الأسابيع الماضية، وأوجدت نوعاً من المظلة السياسية لموقع رئاسة الحكومة، بما عزز موقع رئاسة الحكومة وهدّأ جانباً من الهواجس داخل البيئة السنية.
أما على المستوى الداخلي، فقد حملت زيارة الشيباني تطمينات سياسية واضحة. إذ أعلنت دمشق، بصورة لا لبس فيها، رفضها أي تدخل عسكري في لبنان، وأكدت دعمها الكامل لمؤسسات الدولة، ما بدّد المخاوف من إعادة استخدام الساحة السورية في التجاذبات اللبنانية، وقطع الطريق أمام أي محاولة لاستثمار الانقسامات الداخلية أو تغذية الفتنة.
وفي هذا السياق، برز الطرح السوري القائم على تشجيع حوار لبناني داخلي لمعالجة ملف السلاح، استناداً إلى اتفاق الطائف، وبمقاربة تدريجية وتوافقية تطمئن المكونات، وتعزز سلطة الدولة، وتحصر السلاح بيدها، من دون الذهاب إلى مواجهات داخلية أو فرض حلول بالقوة.
وفي الوقت نفسه، لا تبدو دمشق في وارد قطع خطوط التواصل مع أي مكوّن لبناني، بما في ذلك حزب الله، انطلاقاً من قناعة بأن استقرار لبنان يحتاج إلى حوار مع جميع القوى، وأن تجاوز إرث الصراعات السابقة يشكل مدخلاً أساسياً لمنع أي توتر قد تستفيد منه إسرائيل. لذلك، لا تستبعد الأوساط السياسية أن تشهد المرحلة المقبلة لقاءات مباشرة بين القيادة السورية والحزب، إذا فرضت تطورات المرحلة ذلك.
في المقابل، يبقى العامل الإسرائيلي حاضراً في خلفية المشهد. فالتصعيد المستمر ضد لبنان وسوريا يدفع البلدين إلى تعزيز التنسيق الأمني والسياسي، فيما تتشابك حسابات تل أبيب مع التنافس المتصاعد مع أنقرة، في ظل صراع النفوذ الدائر في شرق المتوسط وسوريا، الأمر الذي يجعل الساحة اللبنانية إحدى نقاط تقاطع هذا الاشتباك الإقليمي.
في الخلاصة، دشنت زيارة الشيباني مرحلة سياسية جديدة في العلاقات اللبنانية – السورية، لكنها، في الوقت نفسه، كشفت أن مستقبل هذه العلاقة لن تحدده بيروت ودمشق وحدهما، بل أيضاً التوازنات التي تتشكل بين القوى الإقليمية، وفي مقدمتها تركيا وإيران. وبين الجغرافيا التي لا يمكن تجاوزها، والتاريخ الذي يصعب القفز فوقه، يبدو لبنان مقبلاً على مرحلة تعيد رسم موقعه في معادلات المنطقة، من دون أن يفلت من تأثير محيطه، ولا سيما من العلاقة العضوية التي تربطه بسوريا.











اترك ردك