الفكرة التي تبدو حاضرة في الذهنية الإسرائيلية تقوم على أن الضغط الكبير والمتواصل على هذه البيئة سيؤدي، خلال فترة قصيرة نسبياً، إلى إحداث شرخ بينها وبين الحزب، أو على الأقل دفعها إلى تحميله مسؤولية ما يجري.
غير أن نمط الضربات في عدد من المناطق يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الأهداف الفعلية لهذه العمليات. فالقصف الذي طال قرى وبلدات بعيدة نسبياً عن خطوط الاشتباك، ومن بينها بلدة النبي شيت في البقاع، يوحي أحياناً وكأنه تدمير ممنهج أكثر منه عمليات ذات طابع عسكري محدد. بعض هذه الضربات يبدو أقرب إلى عمليات انتقامية ذات طابع رمزي، خصوصاً عندما تستهدف أماكن تحمل دلالات معنوية في بيئة حزب الله، وهو ما يجعل الرسالة السياسية والنفسية جزءاً أساسياً من طبيعة هذه الهجمات.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا السلوك العسكري عن المأزق الذي تعيشه الحكومة الإسرائيلية على مستوى خطابها الداخلي. فطوال الأشهر الماضية جرى الترويج داخل إسرائيل لفكرة أن حزب الله تعرض لضربات قاسية وأن قدرته على القتال تراجعت بشكل كبير. إلا أن الوقائع الميدانية لا تعكس هذه الصورة بالكامل. الحزب ما زال يقاتل على خطوط المواجهة الأمامية، ويواصل استهداف المستوطنات الشمالية، كما يدير المعركة بطريقة توحي بأنه يملك القدرة على الاستمرار لفترة طويلة.
هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يضع القيادة الإسرائيلية أمام تحدٍ حقيقي. فكلما طال أمد المعركة من دون تحقيق نتائج حاسمة، يصبح من الصعب تبرير الكلفة المتزايدة أمام الجمهور الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه، يبدو أن حزب الله يتعامل مع المعركة من زاوية مختلفة تماماً، تقوم على إدارة الوقت وتحمل الكلفة، وليس بالضرورة على تحقيق حسم سريع.
من هنا، تبدو المواجهة الحالية وكأنها تتجه تدريجياً نحو معركة إرادات بامتياز. ففي كل جبهة من جبهات القتال، يتكرس منطق بسيط: من يستطيع الصمود أكثر ومن يصرخ أولاً. الكلفة البشرية والمادية تتصاعد، فيما تلعب عوامل أخرى دوراً حاسماً، مثل حجم المخزون العسكري والقدرة على تعويضه والاستمرار في القتال.
كل هذه المؤشرات تجعل من الصعب تصور نهاية قريبة لهذه المواجهة. فالمعركة تبدو مرشحة للاستمرار لفترة طويلة، في ظل غياب أي أفق سياسي واضح لوقفها. بل إن مستوى التصعيد نفسه قد يحمل مفاجآت كبيرة في أي لحظة، ما يجعل المنطقة كلها أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات غير محسوبة.










اترك ردك