ولعلّ تبدّل اللغة السياسية في هذا السياق لا يعبّر عن ليونة ولا عن تعديل في الخيارات، بل عن تشخيص مباشر لمرحلة لم تعد تسمح بتوسيع الاشتباك الداخلي. فمع تحوّل الضغوط الخارجية إلى محاولات منظّمة لإحداث شروخ في البنية السياسية اللبنانية، بات خفض السقف تجاه الداخل خياراً وقائياً لحماية التوازن. ومن هنا تحديداً يمكن إدخال خطاب أمين عام “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم إلى دائرة التحليل، كجزء من إدارة الإيقاع السياسي للمرحلة، وليس كانعطافة في المواقف.
اللافت في الخطاب الأخير أنه تعمّد تجنّب أي اشتباك مباشر مع مؤسسات الدولة، سواء على مستوى رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة. فالمفردات المستخدمة لم تتّجه نحو الضغط أو تحميل المسؤوليات، بل نحو تثبيت العلاقات ومنع تدهورها. إذ بات واضحاً أن القناعة ترسّخت لدى “حزب الله” بأن أي توتير داخلي في هذه المرحلة لن يحقق مكاسب سياسية، بل سيفتح الباب أمام استثماره خارجياً ضمن مسار يسعى إلى تحميل الدولة اللبنانية كلفة الصراع مع إسرائيل.
في هذا السياق، لا يمكن فصل الإشارات الإيجابية تجاه أداء رئيس الحكومة نواف سلام وزيارة الجنوب وملف إعادة الإعمار عن هذا الخيار. فالمقاربة هنا لا تقوم على تبنّي السلطة سياسياً، بل على ضبط العلاقة معها ومنع دفعها إلى صدام سياسي مفتوح. وعليه، فإن “حزب الله” لا يرى مصلحة في الذهاب مع السلطة التنفيذية إلى أقصى حدود الخصومة، ولا في زجّها في موقع اشتباك تحت ضغط خارجي متصاعد.
من جهة أخرى، جرى التعامل مع الملفات الداخلية الحساسة، وخصوصاً العلاقة مع “حركة أمل” ومع قيادة الجيش، بصيغة تحييد سياسي مقصود، إذ إن الإشارة إلى هذه العلاقات جاءت لإخراجها من دائرة السجال السياسي والإعلامي، وتثبيتها كعناصر مستقرة غير قابلة للتوظيف في الصراع الداخلي. وفي هذا الإطار، يعكس هذا الأسلوب توجّهاً واضحاً نحو تقليص مساحات الاشتباك المحتملة داخل الساحة اللبنانية، في مرحلة يُنظر فيها إلى أي اهتزاز داخلي كعامل ضغط إضافي يُستثمر خارجياً ولا يخدم التوازنات القائمة.
في هذا الإطار، شدّد الأمين العام على إعادة توجيه بوصلة النقاش السياسي نحو مصدر الضغط الخارجي، من دون إنكار واقع الانقسام القائم داخل الساحة اللبنانية. غير أن اللافت في مقاربته كان الحرص الواضح على عدم تحويل هذا الانقسام إلى مواجهة مع السلطة الرسمية، إذ أكّد أن الأولوية تكمن في منع استثمار الخلافات الداخلية ضمن مسار عدواني مستمر. ومن هذا المنطلق، جرى تثبيت خيار المقاومة كعنصر قوة في مواجهة الاعتداءات المتواصلة، لا كمادة صدام داخلي، مع التشديد على أن ما لم تحققه إسرائيل عبر القتل والتخريب على مدى أشهر، لن تحققه عبر الضغوط السياسية أو محاولات تفكيك الجبهة الداخلية.
وفي ما يخصّ موقع رئاسة الجمهورية، أكّد قاسم أن الضغوط المفروضة على الرئيس جوزاف عون تهدف أساساً إلى فتح شرخ داخلي بين اللبنانيين، في مرحلة شديدة الحساسية سياسياً وأمنياً. ورغم الإقرار بوجود تباينات في بعض الملفات، شدّد على أن هذا الاختلاف لا يطال العناوين الكبرى، ولا يبرّر تحويل الرئاسة إلى ساحة تجاذب أو استدراجها إلى مواجهة مع أي طرف. من هنا، برز حرص واضح على تحصين العلاقة مع رئيس الجمهورية ومنع استثمارها في الصراع الداخلي، بالتوازي مع التأكيد على أن المرحلة الراهنة هي مرحلة تأسيس للمستقبل، لا مجال فيها للمغامرة بالتوازنات القائمة. وفي هذا السياق، جرى إبراز التعاون بين الشعب والجيش والحكومة والمقاومة كإطار جامع لإدارة المرحلة، وكخيار عملي لتفادي الانقسام وضبط مسار المواجهة.
وفي سياق متصل، لا يمكن فصل التشديد على معادلة التعاون بين الشعب والجيش والحكومة والمقاومة عن إعادة فتح النقاش حول الإطار الذي تُدار ضمنه المواجهة. فحين يُطرح هذا التلاقي كعنوان جامع، تتجاوز الرسالة البعد السياسي المباشر لتلامس مقاربة تنظيمية أوسع، يُعاد من خلالها تثبيت المقاومة ضمن مظلّة وطنية جامعة بدل إبقائها في موقع الاشتباك مع الدولة. بهذا المعنى، يدفع الخطاب باتجاه إعادة وضع النقاش ضمن إطار الاستراتيجية الدفاعية كمسار طبيعي تُدار ضمنه الخلافات القائمة، ويُعاد من خلاله نقل الملف من منطق الصدام إلى منطق التنظيم تحت سقف الدولة، من دون المسّ بعناصر القوة القائمة.
في الخلاصة، يندرج الخطاب ضمن إدارة سياسية دقيقة لمرحلة حسّاسة، حيث يتقدّم هدف ضبط الداخل على أي اشتباك جانبي يمكن أن يتحوّل إلى عامل ضغط إضافي. من هنا، فإن التركيز على تحييد الساحة اللبنانية يعكس إدراكاً بأن حماية التوازن الداخلي باتت شرطاً أساسياً لاستمرار المواجهة في موقعها الأساسي. وعليه، يأتي خفض النبرة كإعادة تنظيم لإيقاع الخطاب وليس كتراجع عن الخيارات، فيما تبقى المواجهة مع العدو ثابتة خارج أي مساومة أو إعادة تعريف.












اترك ردك