دراسات حديثة أظهرت أن البالغين الذين يمارسون أنشطة بطابع مرح يميلون إلى التعامل مع الضغوط بشكل أفضل، ويختبرون مشاعر إيجابية أكثر، ويتمتعون بقدرة أعلى على الصمود في مواجهة التحديات، إضافة إلى مستويات أكبر من الرضا عن الحياة.
واللعب في مرحلة الطفولة غالباً ما يرتبط بالألعاب والدمى، أما لدى البالغين فهو يتخذ أشكالاً مختلفة. فقد يكون نشاطاً جسدياً، أو تفاعلاً اجتماعياً، أو تجربة إبداعية، أو حتى لحظة عفوية مليئة بالفكاهة.
وتشير الأبحاث إلى أن اللعب يوفر مساحة لإعادة ضبط النفس بعيداً عن الأداء والضغوط اليومية، ما يساعد على تنظيم التوتر والحفاظ على التوازن العاطفي. كما ترتبط الروح المرحة بارتفاع مستوى الذكاء العاطفي، أي القدرة على فهم المشاعر وإدارتها في المواقف الاجتماعية.
كما أن دراسات رصدية أظهرت أيضاً أن البالغين المرحين يميلون إلى إظهار قدر أكبر من التعاطف والتفاعل الإيجابي، ما يعزز الروابط الاجتماعية والشعور بالانتماء.. بل إن بعض الأبحاث تشير إلى وجود مسارات بيولوجية محتملة تربط بين اللعب وصحة الدماغ لدى كبار السن، ما يعزز دوره في الحفاظ على الوظائف المعرفية.
ومن اللافت أن اللعب يملك قدرة فريدة على تجاوز الفروق العمرية. فعندما يشارك البالغون والأطفال في نشاط مرح، تتلاشى الفوارق في المكانة أو الدور الاجتماعي، لتحل محلها متعة مشتركة. وتشير أبحاث إلى أن هذه التجارب بين الأجيال قد تعزز العلاقات، وتدعم الصحة النفسية، وتحد من الصور النمطية المرتبطة بالعمر.
ورغم أهمية اللعب، فإن معظم الفضاءات العامة لا تزال تصممه بوصفه نشاطاً خاصاً بالأطفال. إلا أن بعض المدن بدأت تدمج عناصر مرحة في المساحات العامة، مثل مقاعد تفاعلية، أو مسارات ملتوية، أو أراجيح موسيقية بحجم الكبار، ما يشجع على الحركة والاستكشاف. غير أن الدعم لا يقتصر على التصميم العمراني فحسب، بل يشمل أيضاً المعايير الاجتماعية. فعندما يُنظر إلى اللعب باعتباره سلوكاً طفولياً أو محرجاً، يتراجع حضوره. أما حين يصبح طبيعياً ومقبولاً، فإنه ينتشر بسهولة.
وتفتح إعادة النظر إلى اللعب كجزء مشروع من حياة البالغين باباً جديداً لفهم الرفاه عبر مختلف مراحل العمر. وفي عالم يتسم بالتسارع والضغوط، قد يكون السماح ببعض العفوية والمرح استثماراً بسيطاً لكنه عميق الأثر في الصحة النفسية والاجتماعية.. فاللعب ليس ترفاً، بل مساحة إنسانية ضرورية لاستعادة التوازن، وتعزيز الروابط، وتذكيرنا بأن الحياة لا تُقاس فقط بالإنتاجية، بل أيضاً بالقدرة على الاستمتاع بها.












اترك ردك