المفارقة أن الاستحقاقات الوطنية تُدار على وقع الرسائل الإقليمية والضغوط الدولية. وهنا يصبح السؤال أخطر من مجرد “هل ستُؤجَّل الانتخابات؟” إلى “ما الذي يعنيه هذا التأجيل على مستوى الشرعية والتمثيل والثقة العامة؟”.
رغم تأكيد رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري أن الانتخابات ستُجرى في موعدها المقرر في 10 أيار 2026، يبقى المشهد محفوفاً بالتحديات الأمنية والسياسية.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن الضغوط الخارجية، خصوصاً من “اللجنة الخماسية”، تميل إلى التأجيل بذريعة “أولوية حصريّة السلاح” وتنفيذ الإصلاحات، ما يحوّل الاستحقاقات الديمقراطية إلى تفصيل قابل للمساومة ويُرسّخ منطق إدارة الأزمات بدل حلّها.
ويضاف إلى ذلك، النقاش حول تمثيل المغتربين والقانون الانتخابي الحالي. فبعض القوى ترفض تعديل المواد التي تحصر تمثيلهم في ستة مقاعد، بينما ترى هيئة التشريع في وزارة العدل أن الانتخابات يمكن أن تُجرى وفق القانون النافذ مع السماح للمغتربين بالتصويت لجميع النواب الـ128، ما يعكس تعقيد المشهد القانوني والسياسي قبل أشهر قليلة من الاستحقاق.
تعميق لأزمة الثقة
وفي حديث مع “لبنان٢٤”، اعتبرت الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات (لادي) أن أي تأجيل يشكّل ضرباً للدستور والقانون والمبادئ الديمقراطية، مؤكدة أن دورية الانتخابات أولوية مطلقة التزاماً بمبدأ تداول السلطة واحتراماً للوكالة الشعبية التي تنتهي في أيار.
ورأت “لادي” أن أي حجة للتأجيل باطلة، وأن النقاش حول اقتراع غير المقيمين كان يمكن تفاديه لو توفرت النية لذلك، بدلاً من تركه حتى اللحظة الأخيرة واستثماره لتأجيل الانتخابات بذريعة ضيق الوقت.
وأضافت ان الحديث المتكرر عن التأجيل ينعكس مباشرة على ثقة المواطنين بالعملية الديمقراطية. وقد شهدنا مثالاً على ذلك في الانتخابات البلدية التي تأجّلت ثلاث مرات قبل إجرائها عام 2025، وحُسم مصيرها بفترة قصيرة جداً من موعدها، وهو ما نلمس انعكاساته اليوم.
ولفتت “لادي” إلى أن نسب الاقتراع في كل الانتخابات لا تتجاوز 50٪، ما يجب أن يشكّل دليلاً للسلطات على ضرورة إصلاح العملية الانتخابية وضمان انتظامها كل أربع سنوات، بدلاً من إبقاء موعدها ضبابياً حتى اللحظة الأخيرة. وطالبت بعقد جلسة تشريعية لتعليق العمل بالمواد المتعلقة باقتراع غير المقيمين ليتمكنوا من انتخاب 128 نائباً كما حصل في 2018 و2022، وأيضاً تعليق العمل بالمادة 84 الخاصة بالبطاقة الممغنطة، لضمان إجراء الانتخابات في موعدها وانتخاب مجلس جديد.
يتجاوز النقاش حول الانتخابات مسألة المواعيد ليكشف عن أزمة أعمق في العلاقة بين الدولة ومواطنيها. فالتأجيل، مهما كانت ذرائعه، يضع الشرعية الدستورية على المحك ويُضعف ثقة الناس بالمؤسسات، فيما يبقى احترام المهل وإصلاح القانون الانتخابي السبيل الوحيد لإثبات جدّية الدولة في حماية الديمقراطية وتجديد الحياة السياسية.












اترك ردك