فالمشهد يبدو وكأن الطرفين يخوضان معركة محسوبة هدفها الأساسي تعديل موازين القوة، وليس الذهاب نحو حرب مفتوحة لا يريدها أي منهما.
في المقابل، تدرك إيران أن خسارة هذه الورقة ستنعكس على موقعها التفاوضي، ولذلك تسعى إلى التأكيد بأن قدرتها على الرد لا تزال قائمة، وأن أي محاولة لفرض شروط عليها بالقوة ستقابل بردود قادرة على إحداث تأثير. فالضربات التي توجهها إلى القواعد الأميركية في المنطقة تحمل رسالة تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة، إذ تهدف إلى إثبات أن الولايات المتحدة نفسها ليست بعيدة عن دائرة الاستهداف، وأن وجودها العسكري الإقليمي يمكن أن يتعرض لضغوط حقيقية.
وتحاول طهران من خلال هذه العمليات تثبيت معادلة مفادها أن أي مواجهة معها ستكون مكلفة، وأن قدرتها على إلحاق الضرر بالخصم ستبقى عاملاً أساسياً في أي حسابات مستقبلية. فإظهار القوة بالنسبة إلى إيران ليس فقط رداً على الضربات الأميركية، بل هو أيضاً محاولة لتحسين شروطها السياسية والتفاوضية، ومنع ظهور صورة بأنها الطرف الأضعف في المعركة.
في هذا السياق، تبدو المواجهة الحالية أقرب إلى اختبار إرادات متبادل، حيث يستخدم كل طرف القوة العسكرية كأداة سياسية. فالولايات المتحدة تريد الدخول إلى أي مفاوضات من موقع تفوق، بينما تسعى إيران إلى منع تثبيت فكرة أن الضغط العسكري قادر على إجبارها على التراجع.
وبالتالي، فإن الرسالة الأساسية التي يحاول الطرفان إيصالها عبر النار هي أن المعركة لم تنته بعد، وأن أي اتفاق مستقبلي لن يكون نتيجة ضغوط دبلوماسية فقط، بل نتيجة موازين قوة ستتحدد في الميدان.
فقبل أن تجلس الأطراف إلى طاولة التفاوض، يبدو أن كلاً منها يريد أولاً أن يثبت أنه يمتلك القدرة على الصمود والتأثير، وأن أي تسوية مقبلة يجب أن تأخذ هذه الوقائع العسكرية بعين الاعتبار.











اترك ردك