لكن المشهد التجاري سبقه تطور أمني لافت. فقبل ثمانية أيام فقط، أعلنت قوى الأمن الداخلي ضبط نحو 3.9 ملايين حبة كبتاغون، زنت 708 كيلوغرامات، كانت مخبأة بطريقة احترافية داخل “رولات” إسفلت، بناءً على معلومات قدمتها المديرية العامة لمكافحة المخدرات في السعودية.
هذا التسلسل يختصر طبيعة المرحلة الجديدة. فعودة الصادرات إلى المملكة لم تكن قراراً تجارياً منفصلاً عن الملف الأمني، بل جاءت بعد أشهر من العمليات المشتركة وتبادل المعلومات وملاحقة شبكات تصنيع المخدرات وتهريبها. وبات استمرار فتح السوق مرتبطاً بقدرة لبنان على إثبات أن مرافئه ومطاره وحدوده لن تُستخدم مجدداً ممراً لاستهداف دول الخليج.
المشكلة بدأت بصورة مختلفة في نيسان 2021، عندما ضبطت السلطات السعودية أكثر من 5.3 ملايين حبة كبتاغون مخبأة داخل شحنة رمان آتية من لبنان. عندها، أوقفت الرياض ادخال الخضار والفاكهة اللبنانية أو عبورها، قبل أن يتوسع الحظر لاحقاً ليشمل المنتجات اللبنانية كلها، بالتزامن مع أزمة سياسية ودبلوماسية أوسع.
كان الثمن الاقتصادي كبيراً. فالسعودية كانت واحدة من أبرز أسواق لبنان، وبلغت قيمة الصادرات إليها نحو 246 مليون دولار عام 2019، قبل أن تتراجع إلى مستويات شبه معدومة بين 2022 و2025. كما كانت المملكة تستقبل نحو 60 ألف طن من المنتجات الزراعية اللبنانية سنوياً، وفق أرقام وزارة الزراعة.لكن عودة العلاقات بدأت أمنياً قبل أن تصبح تجارية.
في أيلول 2025، أسهمت معلومات سعودية في ضبط 125 كيلوغراماً من الكوكايين وصلت بحراً من البرازيل، وكانت مخبأة داخل عبوات زيوت نباتية. وفي الفترة نفسها، أعلن وزير الداخلية أحمد الحجار ضبط 6.5 ملايين حبة كبتاغون ونحو 700 كيلوغرام من الحشيشة كانت تُحضّر للتهريب إلى السعودية، مقدّراً قيمة المضبوطات بنحو 15 مليون دولار.
وفي 17 أيلول، نفّذ الجيش واحدة من أكبر العمليات المسجلة داخل البلاد، بعدما ضبط نحو 64 مليون حبة كبتاغون و79 برميلاً من المواد الكيميائية وآلات للتصنيع داخل منشأة في بلدة بوداي في بعلبك.
استمر المسار مطلع 2026. ففي 15 كانون الثاني، دهمت قوى الأمن الداخلي، بمؤازرة الجيش، معملاً لتصنيع الكبتاغون في منطقة التل الأبيض في بعلبك، بعد معلومات سعودية، وأوقفت أربعة أشخاص وضبطت مواد تُستخدم في التصنيع وأسلحة ومخدرات.
وبعد عشرة أيام، أوقف الأمن العام في مطار بيروت أربعة مواطنين أتراك، ثلاثة رجال وامرأة، بعد الاشتباه في حركة دخولهم ومغادرتهم المتكررة. وأظهرت التحقيقات، بحسب بيان الأمن العام، أنهم أسسوا شبكة لتهريب المخدرات من تركيا إلى السعودية عبر لبنان، ونفذوا عمليات سابقة بالتنسيق مع جهات خارجية.
وفي نيسان، امتد التعاون إلى الكويت، حيث ضُبط نحو نصف مليون حبة كبتاغون، زنت 85 كيلوغراماً، داخل أكياس بصل مرسلة بحراً من لبنان. وأوقف المستلم في الكويت، فيما ألقي القبض على المرسل في لبنان بالتنسيق بين الأجهزة المعنية.
أما في أيار، فضبط مكتب مكافحة المخدرات المركزي في عمليتين منفصلتين نحو 1.9 مليون حبة كبتاغون، إضافة إلى آلة للتصنيع و700 كيلوغرام من مادة كيميائية تُستخدم في الإنتاج. وفي الأول من حزيران، أحبطت قوى الأمن محاولة نقل نحو 1.17 مليون حبة عبر طرق ترابية غير شرعية في مشاريع القاع باتجاه سوريا.
جاءت بعدها عملية “رولات الإسفلت”، وهي الأكثر ارتباطاً بعودة الصادرات. فقد وصلت المعلومة السعودية في 19 أيار، وحددت وجود كمية كبيرة من الكبتاغون داخل مستودع في الجية. قادت المداهمة والتحقيقات إلى موقع آخر في بحمدون، ثم إلى توقيف ثلاثة متورطين، بينهم العقل المدبر الذي سبق أن أوقف عام 2016 في قضية تهريب مخدرات إلى السعودية.
ولم تتوقف العمليات بعد استئناف الصادرات. ففي 22 تموز، ضبطت الجمارك في مرفأ بيروت 3.5 أطنان من المخدرات داخل شحنة كانت متجهة إلى دولة أفريقية، وأُعلن توقيف أفراد المجموعة المتورطة. ورغم أن الوجهة لم تكن خليجية، فإن العملية حملت الرسالة نفسها: معالجة صورة لبنان بوصفه نقطة منشأ أو عبور لا تقتصر على الشحنات المتجهة إلى السعودية.
لماذا يُعلن عن هذه العمليات بالتفصيل؟
في هذا السياق، يقول مصدر أمني لـ”لبنان24″ أنّ الجواب يتجاوز الرغبة في تسجيل إنجاز أمني. فالإعلان عن الكميات ووسائل الإخفاء ومسار التحقيق ومصدر المعلومات أصبح جزءاً من بناء الثقة مع دول الخليج. وقال:” السعودية لا تحتاج إلى تعهدات سياسية فقط، بل إلى أدلة تظهر أن المعلومات التي تقدمها تُترجم إلى مداهمات وتوقيفات وملاحقة للعقول المدبرة، قبل وصول الشحنة إلى أراضيها.
واكد المصدر أنّ وزير الداخلية أحمد الحجار كان واضحاً في هذا الاتجاه. فبعد توقيف الشبكة التركية في المطار، أكد أن لبنان لن يكون منصة أو معبراً لتهريب المخدرات إلى الدول الشقيقة، ولا سيما السعودية، معتبراً أن العملية ترسّخ الثقة بدور الدولة ومؤسساتها. وبعد ضبط شحنة الجية، قال إن تبادل المعلومات مع الأجهزة السعودية كان عاملاً داعماً للإنجاز، ويعكس حرص البلدين على حماية مجتمعيهما.
وتابع المصدر:” كما يوجّه الإعلان رسالة إلى المزارعين والصناعيين اللبنانيين. ففي السابق، كانت شحنة واحدة كافية لإلحاق الضرر بقطاع كامل، حتى لو لم تكن البضاعة المخالفة منتجة في لبنان، بل استُخدمت الأراضي اللبنانية لتغيير منشئها أو إعادة تصديرها. لذلك، أصبحت مكافحة التهريب دفاعاً عن الصادرات النظامية بقدر ما هي عملية أمنية.
وقال:” لكن ارتفاع عدد الضبطيات لا يعني بالضرورة أن محاولات التهريب ازدادت. قد يكون السبب تحسن تبادل المعلومات، وتشديد الرقابة، وارتفاع قدرة الأجهزة على الوصول إلى المستودعات قبل انتقال الشحنات إلى المرفأ أو المطار. وفي المقابل، تؤكد الأساليب المستخدمة، من الرمان والبصل إلى الزيوت ولفائف الإسفلت، أن الشبكات لا تزال ناشطة وقادرة على تغيير طرقها بسرعة. وشدد على انه لا تكفي مصادرة الشحنات وحدها. التحدي الفعلي هو استكمال التحقيقات حتى النهاية، وتوقيف الممولين وأصحاب المستودعات وشركات الواجهة، ومصادرة الأموال الناتجة عن التهريب، وربط أجهزة الجمارك والأمن بقاعدة معلومات واحدة. كما يتطلب الأمر مراقبة مصدر البضائع، وأسماء المصدرين، ومسار الحاوية منذ المستودع حتى السفينة، لمنع استخدام شهادة المنشأ اللبنانية غطاءً لبضائع جاءت من خارج البلاد.
استئناف الصادرات لا يعني أن الملف أُقفل. بل إن كل حاوية تغادر لبنان باتجاه السعودية أصبحت اختباراً جديداً. نجاح الأجهزة في منع التهريب يحمي السوق التي استعادها لبنان، أما وصول شحنة واحدة كبيرة فقد يعيد الشك إلى كامل الصادرات، ويؤدي الى دفع المنتجين الشرعيين مرة أخرى ثمن جريمة لم يرتكبوها.












اترك ردك