لكن السؤال الأكثر إلحاحًا هذه المرة هو: من أين تأتي الأموال؟ فموازنة 2026 لم تمضِ طويلًا قبل أن تتغير البيئة التي بُنيت عليها. فقد قُدرت نفقاتها وإيراداتها بنحو 538.4 ألف مليار ليرة لكل منهما، مع عجز محسوب عند صفر في المئة، ثم جاءت حرب آذار لتضغط على نشاط اقتصادي ترتبط به نسبة كبيرة من موارد الدولة، فيما أضيفت إلى الإنفاق حاجات طارئة لم تكن محسوبة بالحجم نفسه عند إقرار الموازنة.
لهذا تدخل موازنة 2027 النقاش الحكومي من نقطة مختلفة عن سابقتها. فالدولة مطالبة بتمويل الرواتب والخدمات والمؤسسات العامة والحاجات التي خلّفتها الحرب، وفي الوقت نفسه بالحفاظ على توازن مالي لا يعيد فتح باب العجز غير المنضبط. وبين حاجات تكبر وموارد تصفها الحكومة نفسها بالشحيحة، يصبح النقاش أقل ارتباطًا بحجم الموازنة وأكثر اتصالًا بالطريقة التي ستختار بها الدولة تمويلها.
قاعدة 2026 تغيّرت
تكشف بنية موازنة 2026 مقدار اعتماد الخزينة على النشاط الاقتصادي الجاري. فالضريبة على القيمة المضافة وحدها كانت تمثل 34.5% من الإيرادات المقدرة، فيما شكلت الرسوم الجمركية 9.3% إضافية. وهذا يعني أن أكثر من أربعة أعشار الإيرادات المتوقعة يرتبط بصورة مباشرة تقريبًا بالاستهلاك والاستيراد، وهما من أول الأنشطة التي تتأثر عندما تتراجع الحركة الاقتصادية أو تضطرب التجارة نتيجة الحرب.
كما أن الهامش لا يبدو واسعًا من جهة الإنفاق أيضًا. فقد خُصص نحو 88% من نفقات 2026 للإنفاق الجاري، مقابل 12% فقط للنفقات الاستثمارية، فيما استحوذت الرواتب والأجور والمنافع وملحقاتها على حصة كبيرة من النفقات الجارية. وهذا يعني أن القسم الأعظم من أموال الموازنة مرتبط أصلًا بالتزامات يصعب خفضها سريعًا، قبل إضافة ما فرضته الحرب من احتياجات اجتماعية وصحية وإغاثية وضغوط إضافية على المرافق العامة.
حتى العجز الصفري المعلن يحتاج إلى قراءة حذرة. فبحسب معهد باسل فليحان، لا يشمل هذا الحساب، بصورة عامة، سلفات الخزينة ولا رصيد إيرادات ونفقات الخزينة الأخرى. والفارق مهم لأن مساواة الرقم الإجمالي للإيرادات بالنفقات لا تعني تلقائيًا أن كل حاجات الدولة ممولة أو أن الواقع المالي يطابق تمامًا ما يظهر في قانون الموازنة. لذلك ستكون واقعية تقديرات 2027، لا رقم العجز وحده، واحدة من أولى نقاط اختبار المشروع الجديد.
ضرائب جديدة أم أموال لا تُحصّل؟
المؤشر الأهم صدر عن الحكومة نفسها عشية وصول المشروع. فالاجتماع الوزاري الذي ناقش شح الموارد وضع ثلاثة أبواب في واجهة البحث: الجباية الضريبية، والإيرادات الجمركية، والأملاك البحرية. وهذا يفتح فارقًا أساسيًا سيحدد فلسفة الموازنة المقبلة: زيادة ما يدفعه الملتزم أصلًا، أو زيادة قدرة الدولة على تحصيل ضرائب ورسوم وحقوق قائمة لا تصل كاملة إلى الخزينة.
وتقدّم الجمارك الاختبار الأول. ففي شباط الماضي، شدد سلام أمام المجلس الأعلى للجمارك على زيادة الواردات عبر تفعيل الجباية والمكننة وأنظمة المراقبة، بعدما كان قد أعلن أن التحصيل الجمركي ارتفع بنسبة 108% خلال 2025 نتيجة تشديد الرقابة على الحدود والمطار والمرافئ. وتعني عودة الجمارك إلى صدارة البحث في آب أن الحكومة لا تزال ترى فيها مجالًا لزيادة الموارد، وأن تحسين التحصيل يبقى أحد البدائل المطروحة أمام زيادة العبء الضريبي.
وتبدو الأملاك البحرية المثال الثاني والأكثر حساسية سياسيًا. ففي شباط أيضًا، عرض وزير الأشغال فايز رسامني أمام سلام وجابر خطة تقوم على مراجعة التعديات وتحصيل الرسوم غير المدفوعة وإعادة تخمين سعر المتر، مع التشديد على الإسراع في إصدار أوامر التحصيل. وبعد أكثر من ستة أشهر، يعود الملف نفسه ضمن أدوات مواجهة شح الموارد. وهنا يصبح الرقم الذي ستضعه موازنة 2027 لإيرادات هذه الأملاك مؤشرًا على الفارق بين الإعلان والتنفيذ.
يمنح وصول مشروع الموازنة في موعده المالية العامة بداية أكثر انتظامًا بعد سنوات اعتاد فيها لبنان التأخر والإنفاق خارج المهل الطبيعية. لكن انتظام الرزنامة لا يحل وحده مشكلة الخزينة. فالاختبار الفعلي لموازنة 2027 سيكون في قدرتها على الانتقال من البحث عن إيرادات إضافية إلى تحديد مصدرها: مزيد من العبء على من يدفع أصلًا، أم جباية ما بقي خارج متناول الدولة من تهرب وتعديات وحقوق غير محصلة.











اترك ردك