لم يكن اتفاق 17 أيار أكثر من محاولة لفرض واقع سياسي مختلف على رغم الضغط الاحتلالي. فإسرائيل كانت في قلب لبنان، من بيروت إلى الجنوب، فيما كانت السلطة الشرعية الخارجة من عمق الحروب الخارجية والداخلية ضعيفة وممزقة. أمّا اليوم فالوضع مختلف، شكلًا ومضمونًا. وهذا ما يسمح للسلطة بالإمساك بالقرار التفاوضي، ولو جزئيًا، بوضع المسار التفاوضي “الميكانيزمي” في موقع مختلف تمامًا.
فعلى خلاف كل المحطات السابقة، لا تحمل لجنة “الميكانيزم” صفة اتفاق سلام، ولا تشبه تفاهم نيسان، ولا تتمتع بثقل 1701. إنها أقرب إلى منصة تقنية – سياسية لإدارة النزاع وتدويل الخروق ومحاولة ضبط الهدنة الهشة، أكثر مما هي مسار حل نهائي.
وللمرة الأولى منذ عقود، يدخل لبنان هذا المسار بوفد رسمي واضح، تقوده الدولة لا القوى العسكرية ولا الوسطاء الإقليميون. وفي هذا التحوّل تكمن أهمية هذه الخطوة. لكن الرهان يبقى محاطًا بأسئلة كثيرة، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر: هل يمكن لهذه اللجنة أن تُنتج قواعد اشتباك جديدة، وهل يمكن أن تُشكل ضغطًا دوليًا على إسرائيل لوقف خروقها اليومية، وهل يتحمّل الداخل اللبناني تبعات التفاوض وسط الانقسام الحاد حول خطوة تعيين السفير كرم رئيسًا للوفد اللبناني، وهل تملك واشنطن، التي تمسك بمفاتيح التهدئة، إرادة الذهاب بعيدًا في تسوية جنوبية مستقلة عن مصير غزة؟
ينظر البعض إلى لجنة “الميكانيزم” كنافذة ضيقة في جدار الأزمة. وينظر إليها آخرون كمرحلة جديدة من مراحل إدارة النزاع لا حله. لكن المؤكد أن لبنان يدخل هذه التجربة بوعي أكبر لمخاطر الماضي، وبإصرار على أن يكون شريكًا في القرار لا مجرد ساحة تتلقى نتائج صراع الآخرين.










اترك ردك