وتشير مصادر متابعة إلى أن اتساع رقعة الملفات المطروحة، من تنفيذ “اتفاق الإطار” وما يتصل به من ترتيبات أمنية وسياسية، إلى ملفات إعادة الإعمار والإصلاحات المالية، يجعل من الصعب استمرار التباعد بين رأس الدولة ورئيس السلطة التشريعية، خصوصاً أن معظم هذه الملفات يحتاج إلى تنسيق بين المؤسسات الدستورية.
وبحسب هذه المصادر، فإن الاتصالات القائمة حتى الآن لا تزال بعيدة عن الأضواء، وتتركز على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة، ولو بالحد الأدنى، تجنباً لتحول الخلاف السياسي إلى أزمة مؤسساتية. وتضيف أن شخصيات سياسية وروحية، إضافة إلى مسؤولين أمنيين، قد تؤدي دوراً في تخفيف الاحتقان وتهيئة الأجواء لحوار مباشر عندما تنضج الظروف.
ولا تستبعد الأوساط نفسها أن يكون لبعض العواصم العربية والغربية دور في تشجيع هذا التقارب، ليس عبر وساطة مباشرة بالمعنى التقليدي، وإنما من خلال الرسائل التي تشدد على أهمية وحدة الموقف الرسمي اللبناني في مرحلة تنفيذ التفاهمات الأخيرة، وعلى ضرورة تجنب أي انقسام داخلي قد يضعف موقع الدولة في مواجهة الاستحقاقات المقبلة.
في المقابل، ترى مصادر أخرى أن أي تقارب لن يكون سهلاً، لأن الخلاف لا يقتصر على تباين في وجهات النظر، بل يتصل بمقاربة المرحلة السياسية المقبلة، وحدود صلاحيات المؤسسات، وآليات إدارة الملفات الحساسة، وفي مقدمها تنفيذ الالتزامات التي ترتبت على لبنان بعد “اتفاق الإطار”.
ومع ذلك، يلفت متابعون إلى أن التجربة اللبنانية أثبتت مراراً أن الخلافات بين الرؤساء، مهما بلغت حدتها، غالباً ما تنتهي إلى تسويات تفرضها ضرورات الحكم أكثر مما تفرضها القناعات السياسية. فالنظام اللبناني، بطبيعته التوافقية، يجعل من الصعب استمرار القطيعة لفترات طويلة عندما تصبح مصالح الدولة على المحك.
وتكشف معلومات خاصة أن شخصية سياسية وازنة، تتمتع بعلاقات متينة مع كل من الرئيس عون والرئيس بري، بدأت في الآونة الأخيرة إجراء سلسلة اتصالات بعيدة من الأضواء، في محاولة لخفض مستوى التوتر بين بعبدا وعين التينة، وإعادة فتح قنوات التواصل بين الرئاستين الأولى والثانية، بعد مرحلة من البرودة السياسية التي انعكست على عدد من الملفات الأساسية.
وبحسب المعلومات، فإن المبادرة لا تستهدف معالجة كل نقاط الخلاف دفعة واحدة، وهو أمر تدرك هذه الشخصية صعوبته في الظروف الراهنة، بل تقوم على مبدأ إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة، والاتفاق على عناوين عامة تتيح للمؤسسات الدستورية استعادة وتيرة عملها، ولا سيما في ظل الاستحقاقات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي يواجهها لبنان.
وتشير الأوساط المتابعة إلى أن صاحب المبادرة ينطلق من قناعة مفادها أن استمرار التباعد بين بعبدا وعين التينة لن ينعكس على العلاقة الشخصية بين الرئيسين فحسب، بل سيترك آثاراً مباشرة على قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة، ولا سيما ما يتعلق بتنفيذ الالتزامات التي ترتبت على لبنان بعد “اتفاق الإطار”، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، ومواكبة الاستحقاقات الإصلاحية التي يترقبها المجتمعان العربي والدولي.
وتضيف المعلومات أن هذه الشخصية تراهن على الرصيد الذي تتمتع به لدى الرئيسين، وعلى صدقيتها في إدارة الملفات الحساسة، إذ سبق لها أن أدت أدواراً توفيقية في محطات دقيقة، الأمر الذي يجعلها مؤهلة للقيام بدور “الجسر” بين المرجعيتين، بعيداً من الضجيج الإعلامي أو محاولات تسجيل النقاط السياسية.
ولا تستبعد مصادر مواكبة أن تبدأ نتائج هذه المساعي بالظهور تدريجياً من خلال تخفيف حدة الخطاب السياسي، أو إعادة تفعيل قنوات التواصل غير المباشر، تمهيداً للقاءات عندما تنضج الظروف، خصوصاً أن الطرفين يدركان أن المرحلة المقبلة تتطلب قدراً أكبر من التنسيق بين المؤسسات الدستورية.
وتستند هذه القراءة أيضاً إلى تجربة حديثة، إذ تشير المصادر إلى أن الشخصية نفسها ساهمت في تهيئة مناخ إيجابي بين دمشق وعين التينة، وهو ما انعكس في الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى الرئيس بري، والتي وصفتها أوساط رئيس المجلس بأنها كانت “جيدة”، وشهدت نقاشاً صريحاً حول مختلف الملفات العالقة بين بيروت ودمشق، بما فتح الباب أمام مقاربة أكثر هدوءاً للعلاقة بين الجانبين.
لكن، وفق المصادر نفسها، فإن نجاح أي وساطة داخلية سيبقى رهناً باستعداد الطرفين لتقديم الحد الأدنى من المرونة السياسية. فالمطلوب ليس إلغاء التباينات، بل منعها من التحول إلى شلل يصيب مؤسسات الدولة، في مرحلة يحتاج فيها لبنان إلى موقف رسمي متماسك أكثر من حاجته إلى انتصارات سياسية متبادلة.
ومن هنا، ترى الأوساط أن الرهان الحقيقي لا يتمثل في عقد لقاء بروتوكولي بين الرئيسين، بل في إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة السياسية، بما يسمح بإدارة الخلاف داخل المؤسسات، لا على حسابها.
لذلك، يبقى السؤال مطروحاً: هل يسبق منطق الدولة منطق الخلاف، فتشهد العلاقة بين بعبدا وعين التينة إعادة وصل هادئة، أم أن الملفات العالقة ستؤجل أي مصالحة إلى حين اتضاح صورة التوازنات الداخلية والإقليمية؟
وساطة “صامتة”… لإعادة وصل ما انقطع بين بعبدا وعين التينة

على رغم البرودة التي طبعت العلاقة في الأسابيع الأخيرة بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، فإن أوساطاً سياسية لا تستبعد أن تشهد المرحلة المقبلة محاولات هادئة لإعادة فتح قنوات التواصل بين الرئيسين، انطلاقاً من إدراك مختلف الأطراف أن الاستحقاقات المقبلة لا يمكن إدارتها في ظل قطيعة سياسية بين بعبدا وعين التينة.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0











اترك ردك