وسط الحشد العسكري.. تقرير بريطاني يكشف صلابة إيران تحت النار

نشر موقع ” Middle East Monitor” تقريرا عن بنية إيران، وعدد من النقاط الحيوية التي يتمتع بها النظام الإيراني، ما يجعل إمكانية إسقاطه بشكل سريع، أمرا صعبا.
 
وقال التقرير:” يبدو أن دونالد ترامب، في ولايته الرئاسية الثانية، لا يزال يعاني بشدة من المشكلة نفسها التي واجهها قبل ثماني سنوات؛ فهو يفتقر إلى فهم جوهري لإيران. من الواضح أن ترامب يفتقر إلى فهم واضح لتعقيدات إيران الجيوسياسية والهوية، الأمر الذي أوصله الآن إلى حافة أحد أخطر قراراته في السياسة الخارجية: إصدار الأمر بالحرب. وبينما لا يزال احتمال شن حملة قصف جوي مطولة يبدو مغريًا للسياسيين الأميركيين، فإن النموذج الجديد للتدخل، وتحديدًا ما حدث مؤخرًا في فنزويلا، قد منح واشنطن موجة خطيرة من الثقة المفرطة؛ وهو خطأ في التقدير قد يؤدي في نهاية المطاف إلى كارثة شاملة في الشرق الأوسط. إيران ليست ليبيا، ولا العراق، ولا فنزويلا؛ ومحاولة فرض نموذج أي من هذه الدول على طهران سترسم في نهاية المطاف مسارًا مظلمًا ومضطربًا لمستقبل المنطقة. ومع ذلك، يبقى السؤال التحليلي الحاسم قائمًا: لماذا تُعد إيران، خلافًا لافتراضات الاستراتيجيين الأميركيين، مجتمعًا وهوية مختلفين جوهريًا؟”.
 
أضاف التقرير:” على عكس العديد من دول الشرق الأوسط، تُعدّ إيران وريثة إمبراطورية؛ دولة لا يمكن تفسيرها بشكل كافٍ ضمن الإطار التقليدي لـ”الدولة القومية”، بل من خلال المفهوم الأكثر جوهرية لـ”الدولة الحضارية”. إن الذاكرة التاريخية للمواطنين الإيرانيين مشحونة بشعورٍ عميقٍ بانعدام الأمن، نابعٍ من الغزوات الأجنبية والأعداء عبر التاريخ القديم والمعاصر؛ لذا، لن يرحب أحدٌ في طهران بالمحتلين الأجانب أو القاذفات. في أوقات الأزمات، يحشد الإيرانيون أنفسهم بسرعة تحت راية الوطن، وتؤكد تجربة حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل هذا الادعاء. في السابق، تدخلت الولايات المتحدة في دول الشرق الأوسط التي لم يكن فيها شعور عميق بـ”الانتماء الوطني” موجوداً بين مواطنيها، لدرجة أن الكثيرين رحبوا بالقصف. أما هنا، يتم إعادة تعريف مفهوم “إيران” كهوية خلال الأزمات، ويدفع الهجوم الأجنبي هذا التعريف الجديد بشكل مباشر نحو “الدفاع عن السيادة” والتماسك الوطني. إن أهم ما يجب على واشنطن استخلاصه هو الاعتراف بأن إيران “دولة” متجذرة بعمق، وليست مجرد “حكومة”.
 
تابع:” سواء في حالة العراق في عهد صدام أو ليبيا في عهد القذافي، واجهت الولايات المتحدة دولًا كانت مُنظَّمة بشكلٍ واضح حول زعيم سياسي واحد أو أكثر ذي نفوذ، ومؤسسة قوية واحدة “عادةً الجيش”؛ ونتيجةً لذلك، عندما تعرّضت تلك المؤسسة وتلك الشخصية لأضرار جسيمة، انهار نسيج الدولة فعليًا. أما إيران، فلا تمتلك بأي حال من الأحوال هيكلًا مؤسسيًا بسيطًا. إذ يُحكم هذا البلد نظام مؤسسي شديد التشابك والتعقيد، يعتمد على هياكل ومهام متداخلة أكثر من اعتماده على الأفراد. في الواقع، تطوّر التنظيم المؤسسي للجمهورية الإسلامية بطريقة تجعل تركيزه الأساسي مُنصبًّا على البقاء وإدارة شؤون البلاد في ظل العقوبات والقيود الأمنية، ما يعني أنها لن تُعاني من انهيارٍ مُتسلسل نتيجةً لصدمات عسكرية مُتقطّعة”.
 
ولفت التقرير إلى أن إيران بلد شاسع ذو تضاريس متنوعة بشكل استثنائي. ويُعدّ موقعها على مضيق هرمز، أحد أهم ممرات تصدير الطاقة في العالم، وجهود الجمهورية الإسلامية الحثيثة للسيطرة على هذه المنطقة، أحد مزاياها الجغرافية. وإلى جانب هذه المساحة الشاسعة وإمكانية الوصول إلى بيئات بحرية عالية المخاطر، فإنّ جبهات إيران الشمالية والغربية محصّنة بسلسلتين جبليتين وعرتين؛ حواجز طبيعية قاسية مكّنت إيران من تطوير منشآت تحت الأرض على نطاق واسع وإنشاء مدن صواريخ مدفونة.
 
واعتبر التقرير أنّه في حال بدء الحرب، لا يعرف الجهاز السياسي الأميركي نفسه بوضوح تام الغرض من الهجوم، ولا النظام البديل الذي يسعى لإنشائه.
 
وتكلم التقرير عن سيناريو افتراضي، يتمثل بشن الولايات المتحدة قصفت جويا واسع النطاق على إيران بهدف إضعاف الحكومة، مع نية مبدئية لتنفيذ عمليات اغتيال واسعة النطاق للقادة السياسيين والعسكريين، متسائلا:” هل تستطيع أميركا ضمان ألا تؤدي ديناميكيات القوة داخل إيران خلال مثل هذا التدخل إلى دفع البلاد نحو انتخاب قادة أكثر تطرفًا وعسكرة، وخلق مجتمع أكثر انغلاقًا في حقبة ما بعد الحرب؟” إن الإجابة على هذا السؤال تُنهي أوهام دعاة الحرب، فالضغط الوجودي على دولة حضارية، بدلًا من أن يؤدي إلى استسلامها، يُفضي إلى تطرف البنى وتكوين آلة حرب لا هوادة فيها، ستُلقي عواقبها المدمرة بظلالها على مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لعقود.
 
ختم التقرير:” في نهاية المطاف، يُمثل الوهم بأن حملة قصف مُستهدفة ستُحل بطريقة سحرية التحدي المُعقد الذي تُمثله إيران، فشلاً ذريعاً في الرؤية الاستراتيجية لدى واشنطن. إيران دولة حضارية مُسلحة بقومية راسخة، وهيكل مؤسسي شديد الصمود، وجغرافيا قاسية. لن تُؤدي ضربة عسكرية إلى تفكيك الجمهورية الإسلامية، بل ستُعيد تشكيل خصم مُسلح بشدة، لا يعرف المساومة، من بين الرماد، مُوحداً الشعب ضد تهديد خارجي مُشترك. بالنسبة للولايات المتحدة، فإن شن حرب دون استراتيجية خروج قابلة للتطبيق أو غاية سياسية واضحة ليس مُجرد مُقامرة، بل هو انزلاق مُؤكد إلى مُستنقع إقليمي كارثي يمتد لعقود”.