وبحسب الموقع، “كان سقوط الرئيس السوري بشار الأسد ضربة قوية للكرملين، لكنه تقبّلها بصدر رحب. والآن، يجب إعادة بناء العلاقة على أسس جديدة، لا على أساس علاقة راعٍ ومُستفيد، بل على أساس المساواة. وتُعدّ روسيا جزءاً من أجندة التنويع التي تنتهجها الحكومة السورية الجديدة: فسوريا بحاجة إلى كل حليف ممكن، ولكن دون أن تصبح أداة في لعبة جيوسياسية خارجية. ويبدو أن موسكو، في الوقت الراهن، مستعدة لتقديم ذلك. بالنسبة لسوريا، كانت الأسباب العملية واضحة للعيان، فموسكو شريك عسكري طويل الأمد، ومعظم أسلحتها تأتي من روسيا، كما أن الأفراد السوريين مدربون على استخدامها. كما وتحتاج سوريا إلى يد العون في جهودها للحفاظ على السلام، ويتولى ضباط الشرطة العسكرية الروسية، الذين أثبتوا فعاليتهم في الماضي ويحظون بقبول السكان المحليين، إدارة ثماني نقاط مراقبة بين القنيطرة وهضبة الجولان. وتجري دمشق محادثات مع موسكو لنشر قوات مراقبة روسية لتحقيق الاستقرار في جنوب سوريا، وتجري مناقشات بهذا الشأن مع إسرائيل”.
وتابع الموقع، “تسعى دمشق إلى فتح البلاد على العالم، لكن سوريا لا تملك سوى القليل من العروض الجاهزة، في حين أن الكرملين مستعد لتقديم مساعدات اقتصادية وشحنات من الحبوب لإظهار حسن النية في الوقت الذي يواصل فيه المفاوضات بشأن قواعده العسكرية هناك. والجدير بالذكر أن روسيا تمتلك استثمارات بقيمة حوالي 20 مليار دولار أميركي في مختلف القطاعات الإنتاجية في سوريا، والتي تشمل الطاقة والبنية التحتية والمنشآت الصناعية، والتي تلبي احتياجات البلاد على المدى الطويل. وفي الواقع، تصبّ المعادلة الدولية أيضاً في مصلحة موسكو، فمقعد روسيا الدائم في مجلس الأمن الدولي يمنحها نفوذاً لدعم الحكومة الجديدة، ولا تزال مؤثرة في الشؤون الإقليمية، كما ولم تعد الولايات المتحدة وروسيا تتنافسان، بل أصبحت مصالحهما في سوريا متوافقة، في حين شكّل إنهاء الوجود الإيراني ارتياحاً لكلا الطرفين. تتمنى واشنطن وموسكو للحكومة الجديدة التوفيق في استعادة الاستقرار ووحدة الأراضي، كما أظهر سحب الولايات المتحدة دعمها لقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد، وقد دفع هذا التغيير روسيا إلى مغادرة قاعدتها في القامشلي، لكنها كانت قد حققت غرضها، وتغيرت الظروف، وتتجه القوات الآن إلى حيث تشتد الحاجة إليها، أي إلى أوكرانيا”.
وأضاف الموقع، “هناك أسباب أخرى أقل وضوحاً. فخلال أول زيارة قام بها الشرع إلى موسكو عام 2025، لم يكن أحد أعضاء وفده ملتحياً، وهو أمر غير معتاد في الحكومة التي يقودها الإسلاميون، وكان هذا هو ماهر الشرع، الشقيق الأكبر للرئيس، والذي يشغل منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية السورية، وهو المنصب الأكثر ثقة. وحتى عام 2022، بينما كان أحمد يقود الحرب المقدسة في الشرق الأوسط، كان ماهر يعمل طبيباً للنساء في مدينة فورونيج الروسية، وكان متزوجاً من روسية. وهكذا، أصبح التواصل مع القيادة الجديدة ممكناً بفضل العلاقات الشخصية العميقة، وتم تكليف ماهر الشرع ببناء العلاقات مع موسكو. علاوة على ذلك، تتطابق النزعات السياسية لدى الزعيمين. فالوضع في سوريا ليس مثالياً، لكن الشرع يعلم أن موسكو لن تُلقي عليه محاضرات حول النقص الديمقراطي وحقوق الإنسان، والأهم هو أن يكون لسوريا حكومة مستقرة تُسيطر على البلاد وتُحارب تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وأن تكون قيادتها مدفوعة بالمصلحة الوطنية”.
وبحسب الموقع، “تشير تصريحات بوتين إلى أنه يعتقد أن الرئيس السوري يستحق الاحترام، فالشرع قائد عصامي صعد إلى السلطة عبر ويلات الحرب، وقد يثبت أنه أكثر فعالية من الأسد، الذي تورط طويلاً في الفساد والمؤامرات العائلية. يحرص الطرفان على التصدي للتهديدات الأمنية الناجمة عن أراضي كل منهما، وبينما يلتزم الأسد، المقيم في موسكو لاجئاً، ببنود الاتفاق، ويعيش حياةً كريمةً كمتقاعد، تُشير التقارير إلى أن شخصيات من حاشيته العلوية في روسيا تُخطط ضد حكام دمشق الجدد، لذلك يحتاج الشرع إلى بوتين لوقف هذه الأنشطة السرية والضغط من أجل استعادة الأموال السورية المختلسة. كما ولدى موسكو مخاوف أمنية خاصة بها. ففي العقد الثاني من الألفية، توجه ما لا يقل عن 5500 مقاتل مسلم من روسيا إلى سوريا للانضمام إلى الجماعات السلفية الجهادية، وقد ساهمت كتائب شمال القوقاز، مثل كتيبة أجناد القوقاز، بشكل بارز في انتصار هيئة تحرير الشام التابعة لشرع، وتمت مكافأة العديد من القادة بتعيينات رفيعة المستوى في وزارة الدفاع الجديدة، مثل عبد الله الداغستاني، قائد جيش المهاجرين والأنصار”.
وتابع الموقع، “عند دخولهم دمشق، رفع مقاتلو شمال القوقاز علم إمارة القوقاز، وهي منظمة إرهابية من الشيشان، كان يُعتقد سابقاً أنها قد انحلت. تُفضّل موسكو اندماج المقاتلين الروس في سوريا بدلاً من محاولتهم العودة إلى بلادهم، أو الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية، أو القتال في صفوف دول ثالثة، ولا سيما أوكرانيا، وقد تعزّزت الروابط بين الفاعلين الشيشان وأوكرانيا منذ عام 2022، حين نقلوا صراعهم من سوريا إلى معركة باخموت ثم إلى كورسك، مُهدّدين باستهداف شمال القوقاز. إن وجودهم في سوريا يتطلب تعاملاً دقيقاً من جانب الشرع، فقد أبدى رفاقه الشيشان السابقون استياءهم بالفعل، ولا يمكنه تحمل تحويلهم إلى أعداء. وساهم الاستثمار الطويل الأمد في رأس المال البشري من خلال الثقافة والتعليم والهجرة إلى روسيا في تعزيز الاندماج الاجتماعي، فقد انضم ما لا يقل عن 35 ألف خريج من الجامعات السوفيتية والروسية إلى الطبقة المهنية السورية خلال فترة حكم الأسد، وبعد توقف وجيز، استأنفت موسكو في عام 2025 صرف المنح الدراسية للطلاب”.
وأضاف الموقع، “تُعدّ الثقافة ذات أهمية بالغة لكلا البلدين، لا سيما وأن السوريين يدركون تمامًا حجم الفقدان الذي لحق بتراثهم خلال الحرب، وقد لاقت جهود إعادة تأهيل تدمر، من خلال شراكة مع متحف الإرميتاج الروسي في سانت بطرسبرغ والمعهد الروسي لتاريخ الثقافة المادية، استحسانًا كبيرًا، وكان من أبرز مظاهر هذا الاهتمام إعادة افتتاح دار الأوبرا في دمشق في كانون الثاني 2025، حيث عُزفت مقطوعات تشايكوفسكي في الحفل الافتتاحي. قد لا تكون الموسيقى الكلاسيكية مناسبة للجميع، ولكن هناك كتلة حرجة تشعر بأن حفلات الآلات الوترية التي يقدمها الموسيقيون السوريون الذين تلقوا تدريبهم في موسكو وسانت بطرسبرغ هي جزء لا يتجزأ من حياة مدينة دمشق، بالإضافة إلى المعارض الفنية والعروض الأدائية التي يقدمها الفنانون الذين تلقوا تعليمهم في روسيا. كما ساهم الأفراد والشبكات العابرة للحدود في التغلغل المجتمعي. ومن الأمثلة على ذلك السياسيون ورجال الأعمال من نفس العرق الذين تربطهم صلات بروسيا وسوريا، مثل زياد سبسبي، السياسي الشيشاني المولود في حلب والذي أصبح عضواً في مجلس الشيوخ عن الشيشان في الجمعية الفيدرالية الروسية، ورجل الأعمال السوري الإنغوشي لؤي اليوسف. وبالتالي، فإن العلاقات التجارية والعملية وروابط المغتربين مع سماسرة السلطة غير الرسميين في سوريا قد خلقت شبكة كثيفة من العلاقات الأفقية التي يمكن أن تعمل بشكل مستقل إلى حد كبير عن القوى المركزية”.
وختم الموقع، “إجمالاً، توفر الأصول المتعددة في سوريا لموسكو أساساً لتطوير سياسة جديدة قائمة على المصالح المشتركة، بدلاً من أن تكون دمشق مجرد طرف متوسل. هناك العديد من الجوانب المتغيرة، ولكن إذا نجحت هذه السياسة، فقد تكون أكثر استدامة وفائدة للطرفين من ترتيبات الأسد السابقة”.










اترك ردك