ليست مجرد هزات.. ما الذي يحدث في باطن الأرض؟

في إنجاز علمي يزيح الستار عن أسرار باطن الكوكب، نجح فريق بحثي دولي في إعداد أول خريطة عالمية شاملة لنوع نادر وغامض من الهزات الأرضية، تُعرف بـ “زلازل الوشاح القاري”. وتتميز هذه الزلازل بحدوثها في طبقات سحيقة تتجاوز القشرة الأرضية لتبلغ طبقة “الوشاح”، وهي الكتلة الصخرية السميكة التي تشكل الجزء الأكبر من حجم كوكبنا.

أفادت الدراسة، التي نُشرت في مجلة “ساينس”، بأن هذه الهزات العميقة تتركز في منطقتين رئيسيتين: جبال الهيمالايا في جنوب آسيا، ومضيق بيرينغ الفاصل بين قارتي آسيا وأمريكا الشمالية. ورغم ندرتها -إذ رُصد 459 زلزالاً فقط من أصل 46 ألفاً منذ عام 1990- إلا أن قيمتها العلمية تفوق إحصاءاتها الرقمية.

لطالما كان حدوث زلازل في طبقة الوشاح محل جدل علمي واسع؛ نظراً لارتفاع درجات الحرارة وليونة الصخور في تلك الأعماق، مما يجعلها تميل إلى التشوه التدريجي بدلاً من الانكسار المولد للهزات.

غير أن التقنيات الجديدة التي طورها باحثون من جامعة “ستانفورد” مكنت من رصد هذه الاهتزازات تحت “انقطاع موهو” (المستوى الذي يفصل القشرة عن الوشاح)، مما يفتح نافذة نادرة لرصد التفاعلات الجيوفيزيائية في مناطق كان يصعب الوصول إليها.

اعتمد الباحثون في هذا الكشف على تحليل مقارن للموجات الزلزالية؛ حيث تختلف سرعة وشكل هذه الموجات بناءً على طبيعة الطبقات الصخرية التي تخترقها. وبحسب “شيقي وانغ”، الباحث الرئيسي في الدراسة، فإن هذه الطريقة سمحت بتحديد موقع منشأ الزلزال بدقة متناهية اعتماداً على الإشارات الزلزالية ذاتها، دون الحاجة لبيانات ميدانية معقدة.

لا يهدف هذا الإنجاز لتوثيق ظاهرة نادرة فحسب، بل يرمي إلى فهم أعمق لآليات حركة الصفائح التكتونية، وكيفية نشوء الزلازل والبراكين عند الحدود الفاصلة بين طبقات الأرض. ويرى العلماء أن فهم هذه “الزلازل الصامتة” -التي نادراً ما يشعر بها البشر على السطح- سيسهم في تطوير نماذج أكثر دقة لتقييم الأخطار الزلزالية العالمية وتحسين القدرة على التنبؤ بسلوك القشرة الأرضية مستقبلاً.