مؤتمر باريس.. التفهم الدولي لمراحل حصرية السلاح والدعم مشروط

في ظل التوتر المتواصل بين الولايات المتحدة وإيران، وما يرافقه من إعادة رسم لموازين النفوذ في الشرق الأوسط، لا يزال لبنان في قلب التجاذبات الدولية. فالتوتر القائم بين الطرفين لا ينعكس فقط على ساحات الاشتباك المباشر، بل يمتد تأثيره إلى الدول الهشة، وفي مقدمها لبنان، الذي بات أمنه واستقراره مرتبطين بمسار هذه المواجهة المفتوحة. من هذا المنطلق، يكتسب مؤتمر باريس لدعم الجيش في الخامس من آذار بعداً سياسياً يتجاوز الإطار التقني أو المالي، ليغدو محطة مفصلية في مسار إعادة تثبيت الدولة.

وتستضيف فرنسا هذا المؤتمر بمشاركة نحو 52 دولة ومنظمة دولية، في محاولة لتأمين دعم مستدام للمؤسسة العسكرية، التي تحتاج، وفق التقديرات الرسمية، إلى ما يقارب مليار دولار سنوياً على مدى عشر سنوات. وقد جاءت دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في هذا السياق، لتؤكد أن باريس تنظر إلى المؤتمر كجزء من مقاربة أشمل لإعادة بناء مؤسسات الدولة، لا كمبادرة بروتوكولية عابرة. ومع ذلك، لا يزال الغموض يلفّ طبيعة الدعم المنتظر ومستوى الالتزامات الفعلية، في ظل قناعة دولية بأن ضخ الأموال وحده لا يكفي لإحداث تغيير بنيوي.

وتشير المصادر الدبلوماسية إلى أن الرهان الدولي على الجيش وقوى الأمن يعكس إدراكاً بأن الاستقرار لا يمكن أن يقوم من دون مؤسسة عسكرية موحدة وقادرة. غير أن هذا الرهان يصطدم بحقيقة أساسية مفادها أن المال لا يصنع دولة، والسلاح لا يبني جيشاً، ما لم تقترن المساعدات بإرادة سياسية واضحة لحصرية القرار الأمني. وفي هذا الإطار، يبقى وجود سلاح حزب الله، بحسب هذه المصادر، التحدي الأبرز أمام قيام دولة مكتملة السيادة، إذ تؤدي ازدواجية السلاح إلى ازدواجية في القرار، وهو ما تعتبره العواصم المعنية العقبة الأساسية أمام أي استثمار جدي في المؤسسات الرسمية.

من هنا، يتحوّل مؤتمر باريس إلى مساحة ضغط سياسي غير مباشر لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الواحدة . فالمجتمع الدولي، وبحسب المصادر نفسها، وإن كان حريصاً على منع انهيار المؤسسة العسكرية، لا يبدو مستعداً للاستمرار في تقديم الدعم من دون مقابل سيادي واضح. ويبرز ذلك في النقاشات المرتبطة بخطة حصر السلاح شمال نهر الليطاني، التي تتطلب، بحسب قيادة الجيش، فترة تمتد بين أربعة وثمانية أشهر لتنفيذها، نظراً لحساسية المهمة ومحدودية الإمكانات المتوافرة.

وقد سعى قائد الجيش العماد رودولف هيكل ، خلال لقاءاته مع سفراء دول الخماسية، إلى شرح التحديات اللوجستية والتقنية التي تواجه المؤسسة العسكرية، مؤكداً حاجتها إلى دعم مستدام يتيح لها استكمال قدراتها. وأبدت جهات دبلوماسية تفهماً لهذا الطرح وللفترة التي حددها قائد الجيش ، لكنها شددت في المقابل على أن أي مساعدة فعلية ستبقى مرتبطة بنتائج ملموسة على الأرض، لا بمجرد التعهدات. وفي السياق نفسه، تؤكد المصادر أن هناك إجماعاً دبلوماسياً واضحاً حول أهمية استقرار لبنان ومنع انزلاقه نحو الفوضى، غير أن سفراء بعض الدول شددوا على أن المساعدات ليست مفتوحة أو غير مشروطة، بل مرتبطة بمدى جدّية الدولة في فرض سيادتها شمال الليطاني وجنوبه.

وعليه، تتقاطع التحركات بين الرئاسة الأولى والحكومة والمجلس النيابي في محاولة لتقديم صورة موحّدة أمام المجتمع الدولي. ويبرز في هذا الإطار دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يواكب هذا المسار عبر اتصالاته السياسية والأمنية. وقد التقى بري قائد الجيش رودولف هيكل، واطّلع منه على نتائج زيارته إلى السعودية، وعلى أصداء خطة الجيش في منطقة شمال الليطاني، إضافة إلى التحضيرات للمشاركة في الاجتماع التحضيري في القاهرة. وتندرج هذه اللقاءات في إطار محاولة تنسيق المواقف، وتفادي أي تباين قد يضعف الموقف اللبناني في مؤتمر باريس.
ويتبين من مجمل هذه المعطيات أن نجاح المؤتمر الدولي لا ينفصل عن مسار حصرية السلاح بيد الدولة. وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، يبدو أن هامش المناورة يضيق، وأن الوقت المتاح لالتقاط هذه الفرصة ليس مفتوحاً إلى ما لا نهاية.

 

المصدر:
خاص لبنان24