لم تمرّ قرارات الحكومة برفع الضريبة على القيمة المضافة وزيادة الرسوم على البنزين باعتبارها إجراءات مالية تقنية فحسب، بل بدت أقرب إلى لحظة مفصلية تكشف طبيعة المرحلة التي دخلها لبنان: مرحلة إدارة الانهيار لا معالجته. فالحكومة، تحت عنوان تمويل رواتب القطاع العام وإعادة تشغيل الإدارات، وجدت نفسها أمام مفترق طرق لا يُحسد عليه أحد، وإن لامها كثيرون لأنها اختارت ما يعتبرون أنه الطريق الأسهل ماليًا والأكثر كلفة اجتماعيًا.
اللافت أنّ القرارات نفسها التي أُقرّت داخل مجلس الوزراء، عادت لتتحوّل مادة اعتراض شعبوي في البرلمان وعلى الشاشات، حتى إنّ قوى سياسية وافقت على الزيادات تحت ذريعة “الضرورة”، سارعت إلى تسجيل مواقف اعتراضية في الإعلام، وكأنها لم تكن شريكًا مباشرًا في صناعة القرار. يحدث ذلك في ظل خشية من انعكاسات اجتماعية وسياسية قد تترتب على هذه “الجرعات المرة” في توقيت إقليمي ومحلي شديد الحساسية.
هدا الامر دفع رئيس الحكومة نواف سلام امس الى عقد مؤتمر صحافي في محاولة لتبديد الهواجس والاعتراضات.
في المقابل، بدا الشارع هادئًا نسبيًا، إذ لم تسجَّل موجات احتجاج واسعة، ولا تحركات نقابية كبرى، رغم أنّ العبء الضريبي يطال الفئات نفسها التي استُنزفت خلال السنوات الماضية. هنا يطرح السؤال نفسه: هل نحن أمام هدوء ما قبل العاصفة، باعتبار أنّ الضرائب الجديدة من شأنها خلق انشاء أعمق بين السلطة والشارع، أم أمام تكيّف قسري مع واقع اقتصادي جديد يقوم على “اقتصاد الكاش” والحد الأدنى من القدرة الشرائية؟
منطق الضرورة وإعادة توازن الخزينة
تنطلق وجهة النظر الحكومية، بحسب ما تقول أوساط قريبة من السراي الحكومي، من أنّ الدولة لم تعد تملك ترف الانتظار أو الاعتماد على حلول ترقيعية لم تعد تجدي نفعًا. فالهدف الأساسي من هذه التعديلات الضريبية هو بناء قاعدة صلبة للإيرادات الذاتية، تتيح للحكومة الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والأسلاك العسكرية، بعيدًا عن سياسة الاستدانة أو طباعة النقد التي أرهقت الاقتصاد سابقًا.
وفي حين يتركّز الرهان اليوم على تحويل هذه الضرائب إلى “قوة دفع” تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الراعية، القادرة على تأمين الخدمات الأساسية للمواطنين مقابل التزاماتهم الضريبية، بما ينشئ دورة اقتصادية أكثر انتظامًا، يرى خبراء ماليون أنّ نجاح هذا المسار يتوقف بشكل كبير على “الشفافية في التنفيذ”. فالمواطن يحتاج إلى لمس تحسّن فعلي في كفاءة الإدارة العامة ووقف الهدر في المرافق العامة أولًا، قبل الاقتناع بأن الجباية ستترجم خدمات لا أعباءً إضافية.
في المقابل، تسود حالة من الحذر في الأوساط السياسية والبرلمانية حيال قدرة الشارع على امتصاص هذه الزيادات المتلاحقة. فالتخوف الأساسي يكمن في أن تتحول هذه الأعباء إلى وقود لاحتجاجات شعبية قد تستغلها بعض الأطراف لإرباك المشهد العام، ما يضع الحكومة والقوى الأمنية أمام تحديات ميدانية قد تتجاوز قدرتها على الاحتواء السريع. وربما يفسّر ذلك حجم الانفصام داخل الطبقة السياسية التي تخشى تحمّل مسؤولية رفع الضرائب أمام جمهورها، فتوزّع الأدوار بين الموافقة في الداخل والاعتراض في الخارج.
شعبوية انتخابية.. ولا بدائل
وبين الموافقة داخل الغرف المغلقة، والاعتراض المحسوب أمام الرأي العام، ثمّة من يدرج الأمر في خانة الشعبوية، وهي ليست جديدة، لكنها تتضخم كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية. فرفع الضريبة على القيمة المضافة وزيادة البنزين قرارات تمسّ مباشرة الطبقات الوسطى والدنيا، أي القاعدة الانتخابية الأساسية لمعظم القوى. لذلك يسعى كل طرف إلى الظهور بمظهر “المعترض المسؤول” لا “الشريك في الجباية”، ما يفتخ الباب أمام خطاب مزدوج.
لكنّ الأخطر أنّ هذا السلوك يعكس عجزًا عن تقديم بدائل حقيقية. فلا أحد يطرح خطة إصلاح شاملة تعيد هيكلة الإنفاق أو تعالج مزاريب الهدر بجدية. بدلاً من ذلك، يُعاد تدوير خيار الجباية السريعة باعتباره الحل الوحيد الممكن، فيما تتحوّل السياسة إلى لعبة تبرئة ذمّة جماعية، علمًا أنّ كل زيادة ضريبية جديدة تقلّص القدرة الشرائية وتدفع مزيدًا من الفئات نحو الهامش، وبالتالي فإن الهدوء النسبي في الشارع اليوم قد لا يمنعه من الانفجار غدًا.
في هذا السياق، يبرز العامل الانتخابي كعنصر ضغط إضافي. فكلما تعاظمت الكلفة الاجتماعية للقرارات، ارتفعت المخاوف من انعكاسها على صناديق الاقتراع. وهنا يدخل الحديث، ولو همسًا، عن سيناريوهات تأجيل الانتخابات أو التمديد للمجلس تحت عناوين تقنية أو أمنية، بينهما ربما حصول إضرابات في الشارع، وإضراب واسع للقطاع للعام، ما قد يعني للكثير من الكتل السياسية أنّ كلفة المواجهة الشعبية تبدو أعلى من كلفة التمديد.
المعضلة الأساسية أنّ السلطة تبدو عالقة بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستمرار في فرض ضرائب لتمويل الحد الأدنى من الاستقرار الإداري، وإما ترك القطاع العام ينهار مجددًا بما يحمله ذلك من فوضى مؤسساتية. في الحالتين، لا يظهر مسار إصلاحي واضح يعيد الثقة أو يفتح أفقًا اقتصاديًا جديدًا.
الهروب إلى الأمام عبر الجباية قد يشتري وقتًا، لكنه لا يشتري استقرارًا دائمًا. فالسياسة التي تقوم على تأجيل الانفجار بدل معالجته، تتحول تدريجيًا إلى إدارة مزمنة للأزمة. وكلما طال أمدها، تضاعفت كلفة الخروج منها.
اللافت أنّ القرارات نفسها التي أُقرّت داخل مجلس الوزراء، عادت لتتحوّل مادة اعتراض شعبوي في البرلمان وعلى الشاشات، حتى إنّ قوى سياسية وافقت على الزيادات تحت ذريعة “الضرورة”، سارعت إلى تسجيل مواقف اعتراضية في الإعلام، وكأنها لم تكن شريكًا مباشرًا في صناعة القرار. يحدث ذلك في ظل خشية من انعكاسات اجتماعية وسياسية قد تترتب على هذه “الجرعات المرة” في توقيت إقليمي ومحلي شديد الحساسية.
هدا الامر دفع رئيس الحكومة نواف سلام امس الى عقد مؤتمر صحافي في محاولة لتبديد الهواجس والاعتراضات.
في المقابل، بدا الشارع هادئًا نسبيًا، إذ لم تسجَّل موجات احتجاج واسعة، ولا تحركات نقابية كبرى، رغم أنّ العبء الضريبي يطال الفئات نفسها التي استُنزفت خلال السنوات الماضية. هنا يطرح السؤال نفسه: هل نحن أمام هدوء ما قبل العاصفة، باعتبار أنّ الضرائب الجديدة من شأنها خلق انشاء أعمق بين السلطة والشارع، أم أمام تكيّف قسري مع واقع اقتصادي جديد يقوم على “اقتصاد الكاش” والحد الأدنى من القدرة الشرائية؟
منطق الضرورة وإعادة توازن الخزينة
تنطلق وجهة النظر الحكومية، بحسب ما تقول أوساط قريبة من السراي الحكومي، من أنّ الدولة لم تعد تملك ترف الانتظار أو الاعتماد على حلول ترقيعية لم تعد تجدي نفعًا. فالهدف الأساسي من هذه التعديلات الضريبية هو بناء قاعدة صلبة للإيرادات الذاتية، تتيح للحكومة الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والأسلاك العسكرية، بعيدًا عن سياسة الاستدانة أو طباعة النقد التي أرهقت الاقتصاد سابقًا.
وفي حين يتركّز الرهان اليوم على تحويل هذه الضرائب إلى “قوة دفع” تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الراعية، القادرة على تأمين الخدمات الأساسية للمواطنين مقابل التزاماتهم الضريبية، بما ينشئ دورة اقتصادية أكثر انتظامًا، يرى خبراء ماليون أنّ نجاح هذا المسار يتوقف بشكل كبير على “الشفافية في التنفيذ”. فالمواطن يحتاج إلى لمس تحسّن فعلي في كفاءة الإدارة العامة ووقف الهدر في المرافق العامة أولًا، قبل الاقتناع بأن الجباية ستترجم خدمات لا أعباءً إضافية.
في المقابل، تسود حالة من الحذر في الأوساط السياسية والبرلمانية حيال قدرة الشارع على امتصاص هذه الزيادات المتلاحقة. فالتخوف الأساسي يكمن في أن تتحول هذه الأعباء إلى وقود لاحتجاجات شعبية قد تستغلها بعض الأطراف لإرباك المشهد العام، ما يضع الحكومة والقوى الأمنية أمام تحديات ميدانية قد تتجاوز قدرتها على الاحتواء السريع. وربما يفسّر ذلك حجم الانفصام داخل الطبقة السياسية التي تخشى تحمّل مسؤولية رفع الضرائب أمام جمهورها، فتوزّع الأدوار بين الموافقة في الداخل والاعتراض في الخارج.
شعبوية انتخابية.. ولا بدائل
وبين الموافقة داخل الغرف المغلقة، والاعتراض المحسوب أمام الرأي العام، ثمّة من يدرج الأمر في خانة الشعبوية، وهي ليست جديدة، لكنها تتضخم كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية. فرفع الضريبة على القيمة المضافة وزيادة البنزين قرارات تمسّ مباشرة الطبقات الوسطى والدنيا، أي القاعدة الانتخابية الأساسية لمعظم القوى. لذلك يسعى كل طرف إلى الظهور بمظهر “المعترض المسؤول” لا “الشريك في الجباية”، ما يفتخ الباب أمام خطاب مزدوج.
لكنّ الأخطر أنّ هذا السلوك يعكس عجزًا عن تقديم بدائل حقيقية. فلا أحد يطرح خطة إصلاح شاملة تعيد هيكلة الإنفاق أو تعالج مزاريب الهدر بجدية. بدلاً من ذلك، يُعاد تدوير خيار الجباية السريعة باعتباره الحل الوحيد الممكن، فيما تتحوّل السياسة إلى لعبة تبرئة ذمّة جماعية، علمًا أنّ كل زيادة ضريبية جديدة تقلّص القدرة الشرائية وتدفع مزيدًا من الفئات نحو الهامش، وبالتالي فإن الهدوء النسبي في الشارع اليوم قد لا يمنعه من الانفجار غدًا.
في هذا السياق، يبرز العامل الانتخابي كعنصر ضغط إضافي. فكلما تعاظمت الكلفة الاجتماعية للقرارات، ارتفعت المخاوف من انعكاسها على صناديق الاقتراع. وهنا يدخل الحديث، ولو همسًا، عن سيناريوهات تأجيل الانتخابات أو التمديد للمجلس تحت عناوين تقنية أو أمنية، بينهما ربما حصول إضرابات في الشارع، وإضراب واسع للقطاع للعام، ما قد يعني للكثير من الكتل السياسية أنّ كلفة المواجهة الشعبية تبدو أعلى من كلفة التمديد.
المعضلة الأساسية أنّ السلطة تبدو عالقة بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستمرار في فرض ضرائب لتمويل الحد الأدنى من الاستقرار الإداري، وإما ترك القطاع العام ينهار مجددًا بما يحمله ذلك من فوضى مؤسساتية. في الحالتين، لا يظهر مسار إصلاحي واضح يعيد الثقة أو يفتح أفقًا اقتصاديًا جديدًا.
الهروب إلى الأمام عبر الجباية قد يشتري وقتًا، لكنه لا يشتري استقرارًا دائمًا. فالسياسة التي تقوم على تأجيل الانفجار بدل معالجته، تتحول تدريجيًا إلى إدارة مزمنة للأزمة. وكلما طال أمدها، تضاعفت كلفة الخروج منها.











اترك ردك