خوفاً من “المفاجآت”.. مواطنون يهربون من خيارات مالية كانت تُعتبر “ملاذاً آمناً”!

لم يعد القرار المالي لدى اللبنانيين مرتبطاً فقط بالحاجة إلى السيولة، بل أصبح محكوماً بهاجس الأمان وإمكانية الوصول إلى الأموال في أي لحظة. وفي هذا الإطار، يتسع القلق الشعبي حيال التعامل مع “جود” – الاسم الذي بات يُستخدم بديلاً عن القرض الحسن – وسط مخاوف من سيناريوهات مفاجئة قد تمنع استرداد المدخرات.

إذ لا يزال اللبنانيون يعيشون تداعيات الانهيار المصرفي، حيث تحوّلت الودائع إلى أرقام محتجزة وفُرضت قيود قاسية على السحب. هذه التجربة تركت أثراً عميقاً جعل الثقة بأي جهة مالية شبه معدومة، وأعاد تشكيل السلوك المالي للأفراد. اليوم يتعامل كثيرون مع أي مؤسسة مالية بعقلية دفاعية، إذ لم تعد الفوائد أو التسهيلات أولوية، بل القدرة على الوصول الفوري إلى الأموال.

يعبّر مواطنون عن خشيتهم من متغيرات خارجية غير متوقعة، مثل عقوبات جديدة أو ضغوط مالية، قد تنعكس على عمل المؤسسات المالية. ورغم عدم وجود مؤشرات فورية، إلا أن اللبنانيين باتوا يتوقعون الأسوأ انطلاقاً من تجارب سابقة شهدت قرارات مفاجئة قلبت الواقع المالي خلال ساعات.

في الأحاديث اليومية تتكرر الهواجس حول احتمال تعطّل الخدمات المالية أو فرض قيود على السحب أو صعوبة الوصول إلى المدخرات عند الحاجة. هذه المخاوف، حتى وإن بقيت في إطار الاحتمالات، تؤثر مباشرة على قرارات الناس وتجعلهم أكثر حذراً في التعامل مع أي جهة مالية.

يؤكد مواطنون أنهم باتوا مترددين في رهن الذهب أو وضع مدخراتهم رغم الضغوط المعيشية، لأن الخوف من عدم استردادها يفوق الحاجة الآنية للسيولة. البعض يفضّل تحمّل الضائقة المالية على المخاطرة بما يملكه.

ونتيجة انعدام الثقة، يميل عدد من اللبنانيين إلى الاحتفاظ بالنقد في منازلهم. ورغم المخاطر الأمنية وتآكل القيمة بفعل التضخم، يرى هؤلاء أن السيولة الفورية تبقى الخيار الأكثر أماناً مقارنة بأي منظومة قد تتأثر بقرارات خارجية.

أصبح اللبناني يتابع الأخبار السياسية والإقليمية كما لو كانت نشرة مالية خاصة به، إذ إن أي تصعيد أو قرار دولي قد ينعكس مباشرة على الواقع الاقتصادي المحلي. هذا الترابط بين السياسة والمال عزز الشعور بعدم الاستقرار الدائم.
يرى مختصون أن المخاوف الحالية لا تستهدف مؤسسة محددة بقدر ما تعكس أزمة ثقة شاملة بكل الأنظمة المالية بعد الانهيار. المواطن فقد الإحساس بالأمان المالي، وأصبح يتعامل مع أي خيار مالي بمنطق تقليل المخاطر لا تعظيم الفائدة.

لا يقتصر الخوف على البعد المالي، بل يمتد إلى الجانب النفسي، حيث يعيش كثير من اللبنانيين حالة ترقب دائم وقلق من المستقبل. فكرة فقدان المدخرات مجدداً تمثل هاجساً وجودياً، خصوصاً لدى العائلات التي خسرت جنى عمرها في الأزمة المصرفية.
وفي ظل هذا الواقع تبدّلت أولويات المواطنين. الأمان قبل الربح، الوصول الفوري قبل التسهيلات، والثقة قبل أي خدمة مالية.
اليوم لا يبحث اللبناني عن أفضل الخيارات المالية، بل عن أقلها خطراً. ولا يسأل أين يضع أمواله، بل أين تبقى آمنة. الخوف الشعبي يتقدم على كل الاعتبارات، فيما تبقى الطمأنينة الغائبة العامل الأكثر تأثيراً في قرارات الناس.