المعارضة الشيعية بين وهم الخرق وواقع التشرذم

في توقيت سياسي شديد الحساسية، تقف ما يُعرف بـ”المعارضة الشيعية” في لبنان أمام اختبار مزدوج لا يقتصر على قدرتها في كسر الاحتكار التمثيلي داخل بيئتها، بل يبدأ أساساً من مدى قدرتها على منع تفككها من الداخل. فالمشهد الذي جرى تقديمه قبل سنوات بوصفه محاولة جدية لكسر الأحادية، ينزلق اليوم تدريجياً نحو ساحة تنازع مفتوحة بين أطراف يُفترض أنها في خندق واحد، لكنها تتقدم بخطابات ومسارات متضاربة يصعب ردّها إلى إطار سياسي جامع.

منذ تشكيل هذا الطّيف المعارض داخل البيئة الشيعية، ارتكز خطابه على فرضية محورية تقول إن التمثيل الشيعي ليس ملكاً حصرياً لأي قوة سياسية، وإن داخل البيئة نفسها أصواتاً معترضة على الأداء السياسي والاقتصادي وعلى إدارة العلاقة مع الدولة، وهي أصوات ترى أن من حقها الطبيعي أن تكون حاضرة في المشهد السياسي وأن تحجز موقعها داخل المعادلة التمثيلية. غير أنّ هذا العنوان العريض بقي، عملياً، من دون ترجمة تنظيمية فعلية؛ إذ لم ينجح أصحابه في صوغه ضمن بنية سياسية متماسكة، بل ظل إطاراً فضفاضاً يضم شخصيات ومجموعات تتباين في الحسابات والأولويات بقدر ما تلتقي عند العنوان النظري العام، ما أبقى حضورها أقرب إلى اعتراض متشظٍ منه إلى مشروع سياسي قادر على فرض نفسه في موازين القوى.

في المرحلة الأخيرة، خرجت التباينات داخل “المعارضة” إلى العلن بوضوح أكبر. فجزء منها بات يتعامل مع المعركة بوصفها استحقاقاً انتخابياً صرفاً، يضع هدف خرق أي مقعد في رأس أولوياته، حتى لو استدعى ذلك الدخول في تحالفات متناقضة. في المقابل، يذهب بعضهم إلى مقاربة مختلفة تقوم على بناء حضور سياسي فعلي داخل البيئة أولاً قبل القفز إلى صناديق الاقتراع. وبين هذين الاتجاهين، برز مسار ثالث يربط موقعه أساساً بملفات سيادية كبرى، الأمر الذي لم يؤدِّ إلى تنوّع في المقاربات بقدر ما عمّق التباعد ووسّع فجوة الخلاف بين مكوّنات يُفترض أنها تتحرك تحت مظلة اعتراض واحدة.

وتكشف الوقائع أن التباينات داخل “المعارضة الشيعية” لم تعد ضمن هامش الاختلاف السياسي الطبيعي، بل خرجت إلى العلن عبر سجالات حادة على منصات التواصل، سرعان ما تطورت في بعض المحطات إلى مواجهات مشحونة بالتخوين وتبادل الاتهامات بين أطراف من داخل الدائرة نفسها، قبل أن تنتقل إلى أروقة القضاء عبر دعاوى متبادلة. ولعلّ هذا المسار يعكس مستوى مرتفعاً من التشرذم البنيوي داخل هذه المجموعة، ويطرح تساؤلات جدية حول طبيعة ما يجري في داخلها واتجاهاته الفعلية.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن أحد أبرز أسباب هذا الارتباك يعود إلى تضارب الارتباطات السياسية، إذ يظهر أن بعض مكوّنات هذه المعارضة نسجت علاقات متقاطعة مع أكثر من جهة، داخلية وخارجية، ما أنتج خطاباً غير متماسك واتجاهات متعارضة يصعب جمعها تحت سقف سياسي واحد. وبين تعدد الأجندات وتنافس المواقع، تبدو البوصلة لدى هذه القوى غير مستقرة، بما يثير شكوكاً جدية حول قدرتها على التحول إلى حالة سياسية موحدة وقابلة للحياة انتخابياً.

في المقابل، تبدو القوى التقليدية داخل البيئة الشيعية في موقع المراقب الهادئ لهذا المشهد. فالتشظي الذي يضرب خصومها المحتملين يخفّف عملياً من أي ضغط انتخابي منظّم يمكن أن تواجهه، سيما في ظل قانون انتخابي يرفع كلفة الخرق ويجعل أي محاولة جدية رهناً بحد أدنى من التنسيق الذي لا تبدو ملامحه متوافرة حتى الآن.

المشكلة الأعمق، وفق قراءة سياسية متقاطعة، أن جانباً أساسياً من هذا المشهد لا يعكس مجرد تباين في الرؤى، بل يكشف سباقاً مبكراً على التموضع والنفوذ داخل مساحة ما تزال هشة تنظيمياً. من هنا، فإنّ هذا الواقع يفسّر حدّة الإلغاء المتبادل، ويُظهر أن هذه المجموعات لم تنجح بعد في تجاوز تنافسها الداخلي لصوغ بديل سياسي متماسك وقابل للحياة في المدى المنظور.

في المحصلة، تبدو “المعارضة الشيعية” في لبنان أمام مفارقة قاسية، فهي ترفع شعار كسر الاحتكار السياسي لكنها لم تنجح بعد في كسر تشرذمها الداخلي. وبين طموح معلَن ببناء بديل، وواقع تنظيمي وسياسي يقيّد اندفاعتها، يبرز مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي سؤال حاسم: هل تتمكن هذه القوى من لملمة صفوفها وتحويل اعتراضها إلى قوة وازنة، أم أنها ستقدّم خدمة مجانية لخصومها الأكثر تنظيماً؟