ماذا بعد إدخال “حزب الله” لبنان في حرب اسناد جديدة؟

بعدما بدأت الحرب الأميركية الإسرائيلية – الإيرانية، وبعد مقتل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله السيد علي خامنئي، وردّ “حزب الله” على عملية الاغتيال بتوجيه ستة صواريخ في اتجاه الداخل الإسرائيلي، وردّ إسرائيل الذي لم يتأخر بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت وعددا من المناطق اللبنانية، لم يعد الحديث عن الاحتمالات أو السيناريوهات مجرد نظريات وتكهنات وافتراضات. فمع بدء هذه الحرب على إيران دخلت المنطقة مرحلة مختلفة كليًا عمّا سبقها، إذ لم يعد الصراع يدور في هوامش الاشتباك أو عبر رسائل بالنار المحدودة، بل انتقل إلى مستوى المواجهة المباشرة، بما تحمله من تداعيات عسكرية وسياسية واقتصادية عابرة للحدود.
إلاّ أن اندلاع الحرب لا يعني بالضرورة حربًا عالمية، لكنه يعني حتمًا سقوط قواعد الاشتباك القديمة. فالضربات المتبادلة، وحجم الأهداف، وطبيعة الردود، تشي بأن المنطقة تتجه نحو إعادة رسم موازين القوى، سواء عبر استنزاف طويل أو عبر حسم سريع يفرض وقائع جديدة، وفق تصوّر أكثر من سيناريو محتمل.
بالنسبة إلى السيناريو الأول، فإن الاحتمال الأكثر ترجيحًا في المدى المنظور هو دخول الصراع في مرحلة استنزاف متبادل. ضربات دقيقة، ردود محسوبة، توسيع تدريجي لساحات المواجهة من دون الوصول إلى مواجهة شاملة مفتوحة. وفي هذا السيناريو ترتفع وتيرة الضربات في أكثر من جبهة، ويُستخدم الاقتصاد كسلاح موازٍ للحرب العسكرية، وبالتوازي سيتزايد الضغط على حلفاء إيران في المنطقة، سياسيًا وأمنيًا. وهذا المسار قد يطول، ما يعني إنهاكًا اقتصاديًا إقليميًا واسعًا، وارتفاعًا في أسعار الطاقة، وتوترًا دائمًا في الممرات البحرية.
أما إذا خرجت الأمور عن السيطرة، أو تم استهداف مراكز حساسة ذات رمزية استراتيجية، ومن بينها مقتل خامنئي، فقد تتوسع الحرب لتشمل ساحات إضافية. عندها يصبح السيناريو الثاني كخيار محتمل أكثر واقعية، وتصبح الجبهات المتعددة مفتوحة في آن واحد، مع توقع ارتفاع احتمالات دخول أطراف إقليمية أخرى بشكل مباشر، بحيث تتحول المنطقة إلى مسرح عمليات مترابط، يصعب احتواؤه ديبلوماسيًا.
في هذا السيناريو، لن يكون أي بلد في المنطقة في منأى عن التداعيات، خصوصًا الدول ذات الهشاشة الاقتصادية والسياسية كلبنان على سبيل المثال لا الحصر.
وفي السيناريو الثالث يبقى احتمال أن تكون الحرب محدودة زمنيًا لكنها عالية الكثافة، بحيث تُستخدم لإجبار أحد الأطراف على قبول تسوية سياسية بشروط جديدة. هذا النوع من الحروب لا يهدف إلى إسقاط أنظمة بقدر ما يهدف إلى تعديل سلوك استراتيجي أو فرض ترتيبات أمنية مختلفة. وإذا حصل هذا الأمر، فقد نشهد تفاهمات أمنية غير معلنة، وإعادة توزيع أدوار إقليمي، وعودة المسارات التفاوضية لكن من موقع موازين قوى جديدة.
وبعد كل هذا لم يعد السؤال الأهم إن كانت المنطقة ستتغيّر، بل كيف سينعكس هذا التغيير على الداخل اللبناني بعد إدخال “حزب الله” الساحة اللبنانية في حرب اسناد جديدة. فمع اندلاع هذه الحرب يدخل لبنان مرحلة بالغة الحساسية، ليس فقط أمنيًا، بل سياسيًا وحكوميًا أيضًا. إذ إن أي مواجهة واسعة ستضع السلطة اللبنانية أمام استحقاقات لم تختبرها منذ سنوات، وربما منذ حرب تموز 2006.
أن أول الانعكاسات سيكون سياسيًا، إذ أن الانقسام الداخلي حول موقع لبنان في الصراع الإقليمي سيعود إلى الواجهة بقوة، وستتعالى الأصوات المطالبة بالنأي بالنفس الفعلي، مقابل من يعتبر أن لبنان جزء من محور إقليمي لا يمكن فصله عن مسار المواجهة. وهذا الانقسام لن يبقى نظريًا، بل قد يترجم في مجلس الوزراء، وفي مجلس النواب، وفي الشارع.
أما حكوميًا، فإن الحكومة ستكون أمام امتحان مزدوج. فإما أن تنجح في تثبيت صورة الدولة القادرة على ضبط إيقاع الداخل ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، وهو أمر غير متوقع، وإما أن تتحول إلى مجرد هيئة إدارية تتلقى نتائج التطورات من دون قدرة على التأثير، وهذا هو المرجّح.
فالملف الجنوبي سيكون في قلب المشهد، خصوصًا إذا توسعت الحرب، بعدما فشلت المساعي الدولية في ضبط لبنان الرسمي جبهته الحدودية مع إسرائيل، ومنع استخدامها كساحة ردّ مباشر. وهذا سيضع السلطة أمام خيار صعب. فكيف يمكنها أن توفّق مثلًا بين التزاماتها الدولية وواقع التوازنات الداخلية المعقدة؟
أمّا اقتصاديًا، فإن الوضع لن يكون أقل خطورة. فأي تصعيد إقليمي سيؤدي إلى تراجع إضافي في الثقة، وارتفاع في كلفة التأمين والشحن، واحتمال انكفاء رساميل محدودة لا تزال في البلد، واحتمال ارتفاع منسوب الضغط على الليرة والأسعار.
فلبنان اليوم، شاء من شاء وأبى من أبى، ليس لاعبًا أساسيًا في الحرب على إيران، لكنه قد يكون من أكثر المتأثرين بنتائجها. فإذا طال أمد الحرب، سيزداد الانقسام الداخلي حدّة. وإذا انتهت بتسوية، فسيُطلب من لبنان التكيّف مع معادلة إقليمية جديدة، قد تشمل ترتيبات أمنية أو سياسية لم تكن مطروحة سابقًا.
إن الحرب على إيران لا تعني فقط مواجهة عسكرية بعيدة جغرافيًا، بل تعني اختبارًا مباشرًا لقدرة الدولة اللبنانية على حماية استقرارها الهش. والسؤال الذي سيُطرح في الأيام المقبلة: هل تكون السلطة جزءًا من الحل عبر تحصين الداخل، أم جزءًا من الأزمة عبر الارتهان للتجاذبات؟
الأشهر المقبلة لن تحدد فقط مسار الحرب، بل أيضًا شكل السلطة في لبنان، وقدرتها على البقاء أو إعادة إنتاج نفسها تحت ضغط التحولات الكبرى.