لم يكد لبنان يلتقط أنفاسه من تداعيات خمسة عشر شهرًا من الاستنزاف على جبهة الجنوب، حتى وجد نفسه فجأةً في قلب إعصار إقليمي جديد. فبمجرد أن اندلعت حرب كبرى ضد إيران، حتى بدأ الترقب الحذر في لبنان لموقف “حزب الله”، فبُذِلت مساعٍ رسميّة متسارعة من أجل إقنتاع الحزب بضرورة “تحييد” لبنان عن هذه المواجهة. إلا أنّ الحزب قرّر قلب الطاولة على رأسًا على عقب، ليستيقظ اللبنانيون فجر الإثنين على أصواتٍ قصف ألفوها، وما عادوا قادرين على تحمّلها.
في الساعات التي تلت، بدا التناقض صارخًا بين “منطق الدولة” و”حسابات الميدان”. فبينما اتخذت الحكومة قرارات “غير مسبوقة” بحظر الأنشطة العسكرية للحزب وتكليف الأجهزة الأمنية بمنع أي عمليات انطلاقًا من الأراضي اللبنانية، كان بيان “حزب الله” يثبّت رواية مغايرة، واصفًا خطوته بالعمل “الدفاعي المشروع” ردًا على الاعتداءات الإسرائيلية، قبل أن يعود فجر الإثنين إلى لغة البيانات العسكرية، وقبل ذلك إلى تنفيذ العمليات.
هذا التباين يطرح السؤال الأهم: هل قرر الحزب ربط الجبهة اللبنانية بمصير الحرب على إيران، أم أنه وجد نفسه أمام معادلة إقليمية أسقطت هامش المناورة، فتقدم الميدان على الدولة وحسابات “التحييد”؟ ثمّ أيّ أفق لهذه الحرب غير المتكافئة ولا العادلة في وقت لا يزال كثيرون من أهل الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت يبحثون عن “غرفة آمنة” تقيهم من “الجحيم” الذي يعيشه البلد؟
“فجر الصواريخ” وانقلاب الرسائل السياسية
قبل ضربة الفجر، كانت الأجواء توحي بشيء من “الضبط الذاتي”. فقنوات التواصل التي فُتحت عبر قصر بعبدا وعين التينة استطلعت موقف الحزب، الذي أوحى وفق التسريبات بأن سقف حركته يقتصر على “الدفاع عن النفس” لا الانخراط في “حرب إسناد” لطهران. توازى ذلك مع رسائل أميركية واضحة تحدثت عن سعي لتحييد لبنان بالتنسيق مع إسرائيل، لكنها بقيت تفتقر للضمانات الملزمة.
إلا أن “ستاتيكو” التحييد انكسر بثلاثة صواريخ من شمال الليطاني، كانت كافية لإرباك السلطة ووضعها في موقف حرج أمام المجتمع الدولي، مما استدعى اجتماعًا حكوميًا طارئًا وقرارًا بحظر الأنشطة العسكرية لـ”حزب الله”. وبينما رأى البعض في قرار الحكومة محاولة لانتزاع “ذريعة المفاجأة” من يد إسرائيل، كان المؤشر الأبرز هو “توقيت” بيان الحزب؛ فقد جاء بمثابة رد ضمني على الدولة قبل أن يكون رداً على العدو، محاولاً حصر المسؤولية في “العدوان الإسرائيلي المستمر”، وواضعاً السلطة أمام معادلة صعبة: أوقفوا الاعتداءات أولاً، وعندها يتوقف كل شيء.
لكن “الالتزام” انكسر. ثلاثة صواريخ من شمال الليطاني باتجاه حيفا كانت كافية لإرباك الرئاسات ووضعها في موقع حرج، ولإطلاق سلسلة تداعيات داخلية: امتعاض واضح لدى بري، اجتماع حكومي طارئ، ثم قرار حظر النشاطات العسكرية والأمنية للحزب على كامل الأراضي اللبنانية. وبينما برّر البعض الخطوة بأنها استباق لاحتمال فتح إسرائيل جبهة واسعة ضد الحزب وسلبها “عنصر المفاجأة”، فإن المؤشر الأبرز كان أن قرارًا بهذا الحجم جرى احتواؤه سياسيًا على عجل، في محاولة للقول إنّ الدولة “أعطت ما طُلب منها”، ولو متأخرة عن إيقاع الميدان.
هنا تحديدًا تظهر وظيفة بيان الحزب. فاللغة التي اعتمدها لا تذهب إلى إعلان “مشاركة في حرب إيران”، بل إلى تثبيت رواية واحدة: “المواجهة حق مشروع”، وما حصل “رد فعل” لحسابات وطنية، و”عمل دفاعي” هدفه استجلاب الأمن والاستقرار لأهل لبنان. غير أن المشكلة الأساسية تكمن في “توقيت” بيان الحزب، فهو جاء بمثابة رد ضمني على الدولة قبل أن يكون رداً على العدو، إذ وضعها أمام معادلة صعبة: أوقفوا الاعتداءات، وعندها يتوقف كل شيء.
هل أصبحت حرب إيران “بوابة إنهاء الحزب”؟
ما إن انطلقت صواريخ الحزب، حتى تعاملت معها تل أبيب كـ “فرصة” استراتيجية. لم تعد المعركة في القاموس الإسرائيلي مجرد ردّ، بل تحولت إلى حملة مكثفة تهدف إلى تقويض القدرات العسكرية للحزب إلى الحد الأقصى، وكأن الجانب الإسرائيلي استشعر لحظة دولية مؤاتية، بل ربما “مثالية”، تضعف فيها قدرة لبنان على طلب الحماية أو فرض سقوف لقواعد الاشتباك، طالما أن المواجهة الكبرى تدور مع إيران.
داخلياً، لا ينفصل القرار الحكومي بحظر نشاط الحزب عن سياق خارجي يطالب الدولة اللبنانية بإثبات امتلاكها لقرار الحرب والسلم. بعض القراءات ذهبت أبعد من ذلك، معتبرة أن ما جرى هو محاولة لسحب “الشرعية السياسية” التي وفرتها البيانات الوزارية السابقة لسلاح الحزب. هذا الوضع وضع الحكومة بين خيارين أحلاهما مر: إما قرارات عاجزة عن التنفيذ الميداني، وإما مواجهة صدامية مع بيئة الحزب وموازين القوى القائمة.
لكن الطرف الآخر من المعادلة لا يقل ضغطًا، فالقرار الحكومي بحظر النشاطات العسكرية والأمنية للحزب لا يمكن فصله عن سياق خارجي يريد من الدولة اللبنانية أن تقول وتُثبت إنها صاحبة قرار الحرب والسلم، بل إن هناك من يرى أنّ ما جرى هو محاولة لسحب “الشرعية السياسية” التي وفرتها البيانات الوزارية السابقة لسلاح الحزب. وقد وضع هذا الوضع الحكومة بين خيارين أحلاهما مر: إما قرارات عاجزة عن التنفيذ الميداني، وإما مواجهة صدامية مع بيئة الحزب وموازين القوى القائمة.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع توسيع مسرح التداعيات نحو الخارج، ودخول أطراف دولية جديدة على الخط، لا سيما مع اتهامات تتعلق بمسيرات استطلاعية باتجاه القواعد البريطانية في قبرص. عمليًا، هذا الربط يخرج لبنان من كونه “ساحة جنوبية” ليصبح ورقة في حرب الإقليم، وتفصيلًا في معادلات أكبر، من الممرات الدولية إلى مصالح الطاقة والقواعد الغربية، مما يضاعف الأثمان التي قد تدفعها البلاد.
أخطر ما يواجهه لبنان اليوم هو “ثنائية القرار”؛ فبينما يربط “حزب الله” استقراره بوقف العدوان الإسرائيلي الشامل، تصطدم قرارات الحكومة بسؤال “القدرة على التنفيذ: فمن يملك القدرة على منع عملية صاروخية جديدة؟ ومن يملك ضمانة ألا يتحول التنفيذ إلى شرارة توتر داخلي؟
بين روايتين، يبدو لبنان اليوم في المساحة الأخطر: لا هو قادر على التحييد الكامل، ولا هو مستعد لتحمّل كلفة الانخراط. وما لم يُحسم عمليًا، لا لفظيًا، من يقرر الحرب والسلم، ستبقى كل جبهة إقليمية مفتوحة قابلة لأن تتحول في أي ليلة إلى “فجر صواريخ”.. يكتب للبنان فصلًا جديدًا من حربٍ لا يملك ترف خوضها؟!
في الساعات التي تلت، بدا التناقض صارخًا بين “منطق الدولة” و”حسابات الميدان”. فبينما اتخذت الحكومة قرارات “غير مسبوقة” بحظر الأنشطة العسكرية للحزب وتكليف الأجهزة الأمنية بمنع أي عمليات انطلاقًا من الأراضي اللبنانية، كان بيان “حزب الله” يثبّت رواية مغايرة، واصفًا خطوته بالعمل “الدفاعي المشروع” ردًا على الاعتداءات الإسرائيلية، قبل أن يعود فجر الإثنين إلى لغة البيانات العسكرية، وقبل ذلك إلى تنفيذ العمليات.
هذا التباين يطرح السؤال الأهم: هل قرر الحزب ربط الجبهة اللبنانية بمصير الحرب على إيران، أم أنه وجد نفسه أمام معادلة إقليمية أسقطت هامش المناورة، فتقدم الميدان على الدولة وحسابات “التحييد”؟ ثمّ أيّ أفق لهذه الحرب غير المتكافئة ولا العادلة في وقت لا يزال كثيرون من أهل الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت يبحثون عن “غرفة آمنة” تقيهم من “الجحيم” الذي يعيشه البلد؟
“فجر الصواريخ” وانقلاب الرسائل السياسية
قبل ضربة الفجر، كانت الأجواء توحي بشيء من “الضبط الذاتي”. فقنوات التواصل التي فُتحت عبر قصر بعبدا وعين التينة استطلعت موقف الحزب، الذي أوحى وفق التسريبات بأن سقف حركته يقتصر على “الدفاع عن النفس” لا الانخراط في “حرب إسناد” لطهران. توازى ذلك مع رسائل أميركية واضحة تحدثت عن سعي لتحييد لبنان بالتنسيق مع إسرائيل، لكنها بقيت تفتقر للضمانات الملزمة.
إلا أن “ستاتيكو” التحييد انكسر بثلاثة صواريخ من شمال الليطاني، كانت كافية لإرباك السلطة ووضعها في موقف حرج أمام المجتمع الدولي، مما استدعى اجتماعًا حكوميًا طارئًا وقرارًا بحظر الأنشطة العسكرية لـ”حزب الله”. وبينما رأى البعض في قرار الحكومة محاولة لانتزاع “ذريعة المفاجأة” من يد إسرائيل، كان المؤشر الأبرز هو “توقيت” بيان الحزب؛ فقد جاء بمثابة رد ضمني على الدولة قبل أن يكون رداً على العدو، محاولاً حصر المسؤولية في “العدوان الإسرائيلي المستمر”، وواضعاً السلطة أمام معادلة صعبة: أوقفوا الاعتداءات أولاً، وعندها يتوقف كل شيء.
لكن “الالتزام” انكسر. ثلاثة صواريخ من شمال الليطاني باتجاه حيفا كانت كافية لإرباك الرئاسات ووضعها في موقع حرج، ولإطلاق سلسلة تداعيات داخلية: امتعاض واضح لدى بري، اجتماع حكومي طارئ، ثم قرار حظر النشاطات العسكرية والأمنية للحزب على كامل الأراضي اللبنانية. وبينما برّر البعض الخطوة بأنها استباق لاحتمال فتح إسرائيل جبهة واسعة ضد الحزب وسلبها “عنصر المفاجأة”، فإن المؤشر الأبرز كان أن قرارًا بهذا الحجم جرى احتواؤه سياسيًا على عجل، في محاولة للقول إنّ الدولة “أعطت ما طُلب منها”، ولو متأخرة عن إيقاع الميدان.
هنا تحديدًا تظهر وظيفة بيان الحزب. فاللغة التي اعتمدها لا تذهب إلى إعلان “مشاركة في حرب إيران”، بل إلى تثبيت رواية واحدة: “المواجهة حق مشروع”، وما حصل “رد فعل” لحسابات وطنية، و”عمل دفاعي” هدفه استجلاب الأمن والاستقرار لأهل لبنان. غير أن المشكلة الأساسية تكمن في “توقيت” بيان الحزب، فهو جاء بمثابة رد ضمني على الدولة قبل أن يكون رداً على العدو، إذ وضعها أمام معادلة صعبة: أوقفوا الاعتداءات، وعندها يتوقف كل شيء.
هل أصبحت حرب إيران “بوابة إنهاء الحزب”؟
ما إن انطلقت صواريخ الحزب، حتى تعاملت معها تل أبيب كـ “فرصة” استراتيجية. لم تعد المعركة في القاموس الإسرائيلي مجرد ردّ، بل تحولت إلى حملة مكثفة تهدف إلى تقويض القدرات العسكرية للحزب إلى الحد الأقصى، وكأن الجانب الإسرائيلي استشعر لحظة دولية مؤاتية، بل ربما “مثالية”، تضعف فيها قدرة لبنان على طلب الحماية أو فرض سقوف لقواعد الاشتباك، طالما أن المواجهة الكبرى تدور مع إيران.
داخلياً، لا ينفصل القرار الحكومي بحظر نشاط الحزب عن سياق خارجي يطالب الدولة اللبنانية بإثبات امتلاكها لقرار الحرب والسلم. بعض القراءات ذهبت أبعد من ذلك، معتبرة أن ما جرى هو محاولة لسحب “الشرعية السياسية” التي وفرتها البيانات الوزارية السابقة لسلاح الحزب. هذا الوضع وضع الحكومة بين خيارين أحلاهما مر: إما قرارات عاجزة عن التنفيذ الميداني، وإما مواجهة صدامية مع بيئة الحزب وموازين القوى القائمة.
لكن الطرف الآخر من المعادلة لا يقل ضغطًا، فالقرار الحكومي بحظر النشاطات العسكرية والأمنية للحزب لا يمكن فصله عن سياق خارجي يريد من الدولة اللبنانية أن تقول وتُثبت إنها صاحبة قرار الحرب والسلم، بل إن هناك من يرى أنّ ما جرى هو محاولة لسحب “الشرعية السياسية” التي وفرتها البيانات الوزارية السابقة لسلاح الحزب. وقد وضع هذا الوضع الحكومة بين خيارين أحلاهما مر: إما قرارات عاجزة عن التنفيذ الميداني، وإما مواجهة صدامية مع بيئة الحزب وموازين القوى القائمة.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع توسيع مسرح التداعيات نحو الخارج، ودخول أطراف دولية جديدة على الخط، لا سيما مع اتهامات تتعلق بمسيرات استطلاعية باتجاه القواعد البريطانية في قبرص. عمليًا، هذا الربط يخرج لبنان من كونه “ساحة جنوبية” ليصبح ورقة في حرب الإقليم، وتفصيلًا في معادلات أكبر، من الممرات الدولية إلى مصالح الطاقة والقواعد الغربية، مما يضاعف الأثمان التي قد تدفعها البلاد.
أخطر ما يواجهه لبنان اليوم هو “ثنائية القرار”؛ فبينما يربط “حزب الله” استقراره بوقف العدوان الإسرائيلي الشامل، تصطدم قرارات الحكومة بسؤال “القدرة على التنفيذ: فمن يملك القدرة على منع عملية صاروخية جديدة؟ ومن يملك ضمانة ألا يتحول التنفيذ إلى شرارة توتر داخلي؟
بين روايتين، يبدو لبنان اليوم في المساحة الأخطر: لا هو قادر على التحييد الكامل، ولا هو مستعد لتحمّل كلفة الانخراط. وما لم يُحسم عمليًا، لا لفظيًا، من يقرر الحرب والسلم، ستبقى كل جبهة إقليمية مفتوحة قابلة لأن تتحول في أي ليلة إلى “فجر صواريخ”.. يكتب للبنان فصلًا جديدًا من حربٍ لا يملك ترف خوضها؟!











اترك ردك