تفرض وقائع الميدان المتسارعة منذ فجر الإثنين إيقاعًا دمويًا يتجاوز كل محاولات التبريد التقليدية، حيث يجد لبنان نفسه في قلب مواجهة شاملة لا تترك مساحة للحياد. ومع دخول العمليات البرية مرحلة الاحتكاك المباشر عند الحدود الجنوبية، يبرز تساؤل جوهري حول الغياب التام لأي أثر ملموس للاتصالات الدبلوماسية، التي تبدو وكأنها تعمل في فراغ، أو أنها تعطّلت قسرًا بانتظار ما ستفرضه القوة من نتائج.
هذا الصمت السياسي الدولي يطرح علامات استفهام حول جدوى التحركات الرسمية اللبنانية التي لم تُخرج حتى الآن خرقًا واحدًا يوقف نزيف الأرواح والدمار. وبينما تنشغل إسرائيل بتوسيع رقعة الاستهدافات لتكريس واقع أنّ “لا منطقة آمنة”، يظل الحراك الدبلوماسي أسير بيانات الشجب أو الوعود المؤجلة، بما يعكس فجوة عميقة بين ما يحدث على الأرض وبين أروقة القرار الدولية التي تبدو عمليًا منسجمة مع فكرة ترك الميدان يحدّد موازين القوى الجديدة.
لكن ثمّة من يعتقد أنّ “صمت الدبلوماسية” في هذه المرحلة ليس عجزًا بقدر ما هو قرار سياسي لدى العواصم الكبرى، بترك المواجهة تصل إلى نهاياتها قبل أيّ تدخّل جدي. وفي ظل هذا الانكفاء، يواجه لبنان خطر الانزلاق نحو استنزاف طويل الأمد يكسر التوازنات الهشّة التي حكمت الساحة المحلية لسنوات. فهل يتحمّل اللبنانيون ذلك؟ هل يترك العالم ميدان لبنان لمصيره فعلًا؟ وهل رفعت واشنطن يدها عن “شبكة الأمان” اللبنانية؟
التصدع الداخلي وتبادل “الخطايا” السياسية
في الداخل، يبدو واضحًا أنّ اللبنانيين يخوضون الحرب هذه المرة بانقسام عمودي كامل، تعبّر عنه السجالات السياسية القائمة في ذروة المواجهة، إذ يحمّل كثيرون “حزب الله” المسؤولية عنها، بعد عملية فجر الإثنين التي كان يعلم جيدًا أنّها، برمزيتها الفائقة، ستقود إلى حرب غير متكافئة ولا عادلة. وفي المقابل، جاءت اتهامات قيادة “حزب الله” على لسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم للحكومة بارتكاب “خطيئة أكبر” لتعمّق الشرخ أكثر وسط اشتعال الحرب.
من هنا، يمكن القول إنّ العلاقة بين بعبدا والسرايا والضاحية لم تعد محكومة بقواعد “التنسيق الضروري”، وهو ما يعكس تضاربًا حادًا في الرؤى. فالحكومة تحاول تسويق خطاب يلتزم بالقرارات الدولية لوقف النار، بينما تعتبر المقاومة أنّ أي تنازل سياسي في هذا التوقيت هو طعنة للميدان الذي يقدّم تضحيات جسيمة. وليس خافيًا على أحد أنّ مثل هذا “الشرخ” يضعف موقف لبنان ويجرّده من فاعليته، في ظل غياب رؤية مشتركة أو موحّدة.
وفي ضوء هذا الانقسام العمودي، يبدو الرهان الحكومي على إحداث خرق عبر الوسطاء مغامرة غير محسومة النتائج، طالما أنّ الداخل غير متفق على سقف التنازلات الممكنة. فالسعي إلى فكّ الارتباط بين الجبهات أو فرض حظر نشاط عسكري محدد يصطدم برفض قاطع من القوى الميدانية، ما يحوّل الاتصالات الرسمية إلى مجرد محاولات لتقطيع الوقت أو رفع العتب السياسي أمام مجتمع دولي لا يبدو مستعجلًا للحلّ.
الجمود الدولي وفخ “الانتظار الاستراتيجي”
على المقلب الآخر، تبدو الولايات المتحدة، المنشغلة بحربها على إيران، وكأنّها منحت “تفويضًا كاملًا” لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لفعل ما يحلو له في لبنان. ويبرّر المحسوبون عليها ذلك بـ”الإحباط” من المماطلة في تنفيذ القرارات الحكومية، إذ يشيرون إلى أنّ الموفدين الأميركيين حذّروا مرارًا وتكرارًا من أنّ الاكتفاء بالأقوال من دون اقترانها بأفعال ملموسة سيفضي إلى هذه النتيجة، وهذا ما حصل.
ويوحي الخطاب الأميركي بأنّ واشنطن رفعت يدها عن ممارسة ضغوط جدية على الجانب الإسرائيلي، حتى إنّ هناك من يقول إنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعطى “الضوء الأخضر” لنتنياهو لاستكمال الأهداف العسكرية تحت ستار “الدفاع عن النفس”. وفي المقابل، تكتفي إدارته بإرسال رسائل تحذيرية للحكومة اللبنانية بضرورة تغيير الواقع الميداني كشرط مسبق لأي تسوية، تمهيدًا لاتفاق نهائي هذه المرّة، وفق شروط تل أبيب.
ويرى العارفون أنّ هذا الجمود الدبلوماسي ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج قناعة دولية بأن الاتفاقات القديمة، بما فيها القرار 1701، لم تعد صالحة للتطبيق بصيغتها السابقة في ظل المعطيات الراهنة. وبات واضحًا أنّ هناك من يسعى لفرض “اتفاق جديد” يغيّر قواعد اللعبة بالكامل، وهو ما يفسّر غياب أي مبادرات جدية لوقف إطلاق النار حاليًا، إذ يُراد للضغط العسكري أن ينضج الظروف السياسية لفرض شروط كانت مرفوضة قبل فجر الإثنين الماضي.
مرّة أخرى، يجد لبنان نفسه وحيدًا في مواجهة آلة حربية لا تعترف بالحدود، وسلطة سياسية مشلولة بفعل الانقسام، فيما الميدان يتقدّم على السياسة بخطوات واسعة. وإذا كان الرهان الرسمي قد قام سابقًا على التفاوض، فإنّ الواضح أنّ هذا المسار بات اليوم مجمّدًا، بانتظار ما ستفرضه الوقائع العسكرية على الأرض.
وفي ظل هذا “الانتظار الاستراتيجي” الذي تمارسه العواصم الكبرى، يبدو لبنان كأنه يُترك ليخوض معركته وحده، إلى أن تنضج شروط التسوية. فهل باتت تسوية لبنان تُكتب بالنار قبل أن تُوقَّع على الطاولة؟
هذا الصمت السياسي الدولي يطرح علامات استفهام حول جدوى التحركات الرسمية اللبنانية التي لم تُخرج حتى الآن خرقًا واحدًا يوقف نزيف الأرواح والدمار. وبينما تنشغل إسرائيل بتوسيع رقعة الاستهدافات لتكريس واقع أنّ “لا منطقة آمنة”، يظل الحراك الدبلوماسي أسير بيانات الشجب أو الوعود المؤجلة، بما يعكس فجوة عميقة بين ما يحدث على الأرض وبين أروقة القرار الدولية التي تبدو عمليًا منسجمة مع فكرة ترك الميدان يحدّد موازين القوى الجديدة.
لكن ثمّة من يعتقد أنّ “صمت الدبلوماسية” في هذه المرحلة ليس عجزًا بقدر ما هو قرار سياسي لدى العواصم الكبرى، بترك المواجهة تصل إلى نهاياتها قبل أيّ تدخّل جدي. وفي ظل هذا الانكفاء، يواجه لبنان خطر الانزلاق نحو استنزاف طويل الأمد يكسر التوازنات الهشّة التي حكمت الساحة المحلية لسنوات. فهل يتحمّل اللبنانيون ذلك؟ هل يترك العالم ميدان لبنان لمصيره فعلًا؟ وهل رفعت واشنطن يدها عن “شبكة الأمان” اللبنانية؟
التصدع الداخلي وتبادل “الخطايا” السياسية
في الداخل، يبدو واضحًا أنّ اللبنانيين يخوضون الحرب هذه المرة بانقسام عمودي كامل، تعبّر عنه السجالات السياسية القائمة في ذروة المواجهة، إذ يحمّل كثيرون “حزب الله” المسؤولية عنها، بعد عملية فجر الإثنين التي كان يعلم جيدًا أنّها، برمزيتها الفائقة، ستقود إلى حرب غير متكافئة ولا عادلة. وفي المقابل، جاءت اتهامات قيادة “حزب الله” على لسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم للحكومة بارتكاب “خطيئة أكبر” لتعمّق الشرخ أكثر وسط اشتعال الحرب.
من هنا، يمكن القول إنّ العلاقة بين بعبدا والسرايا والضاحية لم تعد محكومة بقواعد “التنسيق الضروري”، وهو ما يعكس تضاربًا حادًا في الرؤى. فالحكومة تحاول تسويق خطاب يلتزم بالقرارات الدولية لوقف النار، بينما تعتبر المقاومة أنّ أي تنازل سياسي في هذا التوقيت هو طعنة للميدان الذي يقدّم تضحيات جسيمة. وليس خافيًا على أحد أنّ مثل هذا “الشرخ” يضعف موقف لبنان ويجرّده من فاعليته، في ظل غياب رؤية مشتركة أو موحّدة.
وفي ضوء هذا الانقسام العمودي، يبدو الرهان الحكومي على إحداث خرق عبر الوسطاء مغامرة غير محسومة النتائج، طالما أنّ الداخل غير متفق على سقف التنازلات الممكنة. فالسعي إلى فكّ الارتباط بين الجبهات أو فرض حظر نشاط عسكري محدد يصطدم برفض قاطع من القوى الميدانية، ما يحوّل الاتصالات الرسمية إلى مجرد محاولات لتقطيع الوقت أو رفع العتب السياسي أمام مجتمع دولي لا يبدو مستعجلًا للحلّ.
الجمود الدولي وفخ “الانتظار الاستراتيجي”
على المقلب الآخر، تبدو الولايات المتحدة، المنشغلة بحربها على إيران، وكأنّها منحت “تفويضًا كاملًا” لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لفعل ما يحلو له في لبنان. ويبرّر المحسوبون عليها ذلك بـ”الإحباط” من المماطلة في تنفيذ القرارات الحكومية، إذ يشيرون إلى أنّ الموفدين الأميركيين حذّروا مرارًا وتكرارًا من أنّ الاكتفاء بالأقوال من دون اقترانها بأفعال ملموسة سيفضي إلى هذه النتيجة، وهذا ما حصل.
ويوحي الخطاب الأميركي بأنّ واشنطن رفعت يدها عن ممارسة ضغوط جدية على الجانب الإسرائيلي، حتى إنّ هناك من يقول إنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعطى “الضوء الأخضر” لنتنياهو لاستكمال الأهداف العسكرية تحت ستار “الدفاع عن النفس”. وفي المقابل، تكتفي إدارته بإرسال رسائل تحذيرية للحكومة اللبنانية بضرورة تغيير الواقع الميداني كشرط مسبق لأي تسوية، تمهيدًا لاتفاق نهائي هذه المرّة، وفق شروط تل أبيب.
ويرى العارفون أنّ هذا الجمود الدبلوماسي ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج قناعة دولية بأن الاتفاقات القديمة، بما فيها القرار 1701، لم تعد صالحة للتطبيق بصيغتها السابقة في ظل المعطيات الراهنة. وبات واضحًا أنّ هناك من يسعى لفرض “اتفاق جديد” يغيّر قواعد اللعبة بالكامل، وهو ما يفسّر غياب أي مبادرات جدية لوقف إطلاق النار حاليًا، إذ يُراد للضغط العسكري أن ينضج الظروف السياسية لفرض شروط كانت مرفوضة قبل فجر الإثنين الماضي.
مرّة أخرى، يجد لبنان نفسه وحيدًا في مواجهة آلة حربية لا تعترف بالحدود، وسلطة سياسية مشلولة بفعل الانقسام، فيما الميدان يتقدّم على السياسة بخطوات واسعة. وإذا كان الرهان الرسمي قد قام سابقًا على التفاوض، فإنّ الواضح أنّ هذا المسار بات اليوم مجمّدًا، بانتظار ما ستفرضه الوقائع العسكرية على الأرض.
وفي ظل هذا “الانتظار الاستراتيجي” الذي تمارسه العواصم الكبرى، يبدو لبنان كأنه يُترك ليخوض معركته وحده، إلى أن تنضج شروط التسوية. فهل باتت تسوية لبنان تُكتب بالنار قبل أن تُوقَّع على الطاولة؟











اترك ردك