كباش جدي بين اميركا وايران.. من يتعب اولا؟

تتسارع التطورات الميدانية بطريقة توحي بأن المعركة الحالية لن تكون قصيرة أو عابرة. منذ الأيام الأولى، بدا واضحًا أن حزب الله دخل المواجهة بجهوزية عالية، سواء على مستوى الانتشار عند الحافة الأمامية أو على مستوى إدارة النيران. هذا الأداء فاجأ كثيرين، حتى أولئك الذين كانوا يراهنون على قدرته القتالية.

لم يكن الحضور رمزيًا أو محدودًا، بل ظهر كخيار جدي لخوض مواجهة مفتوحة، ما غيّر الحسابات الأولية لدى مختلف المتابعين.
عسكريًا، يمكن القول إن الحزب نجح في تثبيت معادلة ردع أولية، وأظهر قدرة على امتصاص الضربات والرد عليها بإيقاع منظم. أما أمنيًا، فبدا أداؤه مقبولًا إلى حد بعيد، مع ضبط نسبي للجبهة الداخلية ومنع الانكشاف الكامل أمام الاختراقات. لكن رغم أهمية هذا المشهد، فإن مسار المعركة لا يُحسم بالكامل داخل الأراضي اللبنانية.

 القرار الفعلي يتشكل خارج الحدود، وتحديدًا في إيران، حيث تُرسم إيقاعات التصعيد والتهدئة وفق حسابات أوسع من الساحة اللبنانية.
في العمق، هناك سباق واضح بين القدرة الإيرانية على إطلاق الصواريخ بوتيرة مرتفعة، وبين قدرة الدفاعات الجوية الأميركية والإسرائيلية على الاستمرار في الاعتراض. هذه المعادلة التقنية – اللوجستية باتت عنصر الحسم الأساسي. فالمخزون الصاروخي الاعتراضي ليس مفتوحًا بلا سقف، كما أن وتيرة الاستهلاك اليومية تفرض ضغوطًا متراكمة.

في المقابل، تعتمد طهران على قدرتها الإنتاجية وسلاسل الإمداد للحفاظ على وتيرة إطلاق تمنع خصومها من التقاط أنفاسهم.
إذا توقفت إيران عن القصف تحت وطأة الضغوط أو الحسابات السياسية، فإنها ستواجه مرحلة قصف عنيف ومركز قد يهدف إلى فرض وقائع ميدانية قاسية.

 في هذه الحالة، حتى لو بقي النظام قائمًا، فإنه سيخرج من المواجهة أضعف بكثير، مع خسارة أوراق قوة كان يعوّل عليها في التفاوض. أما إذا استمرت في إطلاق الصواريخ بالوتيرة نفسها، فإن الدفاعات الجوية الأميركية والإسرائيلية ستتعرض لاستهلاك تدريجي خلال أيام وأسابيع، ما يفتح الباب أمام تبدل في ميزان القوة الفعلي.
من هنا يتضح دور حزب الله في الإطار الأوسع. فوظيفته لا تقتصر على الاشتباك المباشر، بل تشمل تحسين الواقع الميداني تدريجيًا واستنزاف منظومات مثل القبة الحديدية عبر توسيع رقعة الضغط وتعدد الجبهات. هذا الاستنزاف، إن استمر، سيعزز موقع محور طهران على طاولة المفاوضات لاحقًا، حيث لا تُحتسب النتائج فقط بعدد الضربات، بل بقدرة كل طرف على الصمود لفترة أطول وفرض إيقاعه حتى اللحظة الأخيرة.