التصعيد يتدحرج.. التفوّق الجوي يسمح بتنفيذ الإنزالات وخطة لعزل جنوب الليطاني

في وقتٍ ينشغل فيه الإقليم والعالم بتتبّع مسار الحرب وتطوراتها، يبدو لبنان عالقاً في مساحة انتظار خطيرة، بلا أفق واضح لاحتواء التصعيد أو وقف العدوان. وفي ظل هذا المشهد الضبابي إقليمياً ودولياً، تتحوّل الساحة اللبنانية تدريجياً إلى ميدان مفتوح للعمليات العسكرية الإسرائيلية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر التدمير والتوغلات في العمق اللبناني.

 


ومع دخول العدوان الإسرائيلي يومه السابع، تتواصل الضربات جواً والتحركات براً في أكثر من منطقة. وبعد سياسة تهجير السكان من الضاحية الجنوبية وجنوب الليطاني وعدد من القرى في بعلبك، نفّذت إسرائيل عملية إنزال في بلدة النبي شيت، في مؤشر إلى انتقال التصعيد إلى مرحلة ميدانية أكثر حساسية واتساعاً.

 


ويقول العميد أكرم سريوي إن إخلاء قرى الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت من السكان هو عملية تهجير قسري وترهيب للمدنيين، وهي تُعد جريمة حرب وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة وقواعد القانون الدولي الإنساني. ومن الواضح أن إسرائيل تجعل استهداف المدنيين استراتيجية حرب، وتحوّل الأعيان المدنية إلى أهداف عسكرية، إضافة إلى خرق قاعدة التناسب واستخدام القوة المفرطة من دون أي مبرر قانوني. فعملية استهداف وتهجير المدنيين تهدف إلى الضغط على الحكومة اللبنانية والبيئة الحاضنة للحزب، لإجبار حزب الله على تسليم سلاحه.

 


من ناحية أخرى، جاء هذا الاستخدام للمدنيين، بحسب سريوي، كوسيلة من وسائل الحرب بعد فشل القوات الإسرائيلية في المواجهة العسكرية الميدانية مع عناصر حزب الله، ووقوع عدد من الخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي. والأهم هو فشل عمليات القصف الإسرائيلي المستمرة منذ أكثر من سنتين في تدمير قدرات حزب الله القتالية، وهو ما ظهر جلياً في المعارك والاشتباكات التي تدور اليوم على جبهة الجنوب.

 


وبذلك، من المستبعد، بحسب سريوي، أن تقوم إسرائيل بتنفيذ عمليات إنزال في الضاحية الجنوبية لبيروت، خاصة بعد فشل اهداف عملية الإنزال التي حصلت في النبي شيت في البقاع. لكن هذا لا يعني أن إسرائيل لن تحاول تنفيذ إنزال آخر، سواء في البقاع أو في منطقة النبطية، إذ يمكن أن يُستخدم التفوق الجوي الإسرائيلي لتنفيذ عمليات خاصة تهدف إلى خطف شخصية معينة أو السيطرة على نقاط مهمة لتأمين تقدم القوات البرية في حال قررت إسرائيل التوغل داخل الأراضي اللبنانية.

 


ويقول العميد سريوي إن إسرائيل أعلنت أن التعليمات أُعطيت لجيشها بالتوغل داخل الأراضي اللبنانية من دون تحديد مدى وعمق هذا التوغل. لكن عملية إخلاء القرى، خاصة في منطقة جنوب الليطاني، تدل على نية احتلال مناطق واسعة في الجنوب. وقد تحدث بعض الإعلام الإسرائيلي عن إقامة منطقة عازلة على طول الحدود بعمق عشرة كيلومترات، فيما سربت بعض الصحف أن الهدف هو احتلال كامل منطقة جنوب الليطاني.

 


وفي هذا السياق، فإن عملية حشد أربع فرق عسكرية على طول الحدود، كما يشير سريوي، ليست للدفاع بل للهجوم، خاصة الفرقة 91 التي تعمل حالياً في القطاع الأوسط، والفرقة 146 التي تعمل في القطاع الغربي. وهاتان الفرقتان ستشكلان كماشة لإطلاق الهجوم على منطقة جنوب الليطاني في حال قررت إسرائيل التقدم. غير أن المحاولات التي جرت لتجاوز الحدود اصطدمت بضربات حزب الله، والتي أسفرت عن تدمير وإعطاب عدد من الدبابات وإصابة أكثر من عشرة جنود، وفق الاعترافات الإسرائيلية، وهو ما قد يفرمل الاندفاعة الإسرائيلية.

 


إذن، يتضح من تحرك القوات الإسرائيلية أنها تركز، بحسب سريوي، بشكل أساسي على قطع الطريق بين مرجعيون ومنطقة جنوب الليطاني. فقد تقدمت من المطلة باتجاه برج الملوك، وحاولت التقدم أيضاً إلى داخل الخيام، ونفذت توغلاً آخر باتجاه رب الثلاثين، إضافة إلى قصف مركز على المحور الغربي في منطقة اللبونة. وهذا يدل على محاولة إغلاق منطقة جنوب الليطاني وفصلها عن باقي المناطق.

 


إضافة إلى ذلك، حاولت وحدة من الفرقة 210 التقدم من جهة كفرشوبا، وتعرضت إحدى الدبابات لصاروخ مضاد للدروع. وتهدف هذه التحركات، بطبيعة الحال، إلى احتلال منطقة عازلة على طول الشريط الحدودي.

 


وسط ما تقدم، يحاول لبنان الرسمي اللجوء إلى دول صديقة لمنع التوغل الإسرائيلي، خاصة بعد أن انتشرت وحدات الجيش في جنوب الليطاني وفككت منشآت عسكرية تابعة لحزب الله. كما اتخذ قراراً بمنع حزب الله من إطلاق الصواريخ، وأعطى أمراً بملاحقة مطلقيها. لكن كل هذه الإجراءات، كما يقول سريوي، لم ترقَ للأميركيين، إذ لم يرد الأميركيون على الاتصالات الحكومية، ما دفع لبنان إلى اللجوء إلى فرنسا للتدخل. وقد أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه طلب من إسرائيل عدم احتلال أراضٍ لبنانية، موضحاً أن هذا العمل سيقوض شرعية الحكومة اللبنانية.

 


وبناءً على ذلك، لا تستطيع الدولة القيام بأكثر مما فعلت. فحتى إعطاء أوامر للجيش بالتصدي للجيش الإسرائيلي في حال حاول التوغل داخل الأراضي اللبنانية يُعد قراراً غير واقعي، إذ يعلم الجميع، وفق سريوي، أن الجيش لا يمتلك الأسلحة التي تمكنه من مواجهة الجيش الإسرائيلي. وبالتالي فإن الخيار الوحيد المتاح أمام الدولة هو اعتماد الأطر الدبلوماسية.

مواضيع ذات صلة