وبحسب ما نُقل عن أوساط دبلوماسية، يقوم الطرح على مقاربة سياسية – أمنية تشمل وقف العمليات العسكرية في مقابل التزامات متبادلة بتطبيق القرار 1701، إلى جانب إعادة انتشار الجيش جنوب نهر الليطاني وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها خلال العمليات الأخيرة، تمهيداً لإرساء ترتيبات أمنية جديدة على الحدود.
إلا أن باريس حرصت على عدم إعطاء الانطباع بوجود مبادرة متكاملة المعالم. فقد أوضح مصدر في وزارة الخارجية الفرنسية أن ما يُتداول لا يرقى إلى مستوى خطة فرنسية متكاملة، مشيراً إلى أن أي مسار تفاوضي محتمل يبقى مرتبطاً بقرار الأطراف المعنية وبالظروف السياسية والعسكرية المحيطة بالصراع.
في المقابل، يواصل لبنان الرسمي التمسك بخيار إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، رغم إدراكه أن موازين الميدان، فضلاً عن تطورات الحرب على إيران، هي التي تتحكم في توقيت أي مسار سياسي. وفي هذا السياق، يسعى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى الدفع باتجاه مقاربة تفتح المجال أمام وقف إطلاق النار وتضع أسس مرحلة ما بعد الحرب، انطلاقاً من قناعة بأن أي استقرار مستقبلي يتطلب إطاراً سياسياً واضحاً يواكب الترتيبات الأمنية. كما يتقاطع هذا المسار مع المشهد في إيران، انطلاقاً من قناعة لدى المعنيين بأن ملف لبنان ارتبط مجدداً بالملف الإيراني.
غير أن المعطيات الدبلوماسية التي تصل إلى بيروت لا تشير حتى الآن إلى وجود استعداد إسرائيلي واضح للدخول في مفاوضات مباشرة، ما يجعل الجهود السياسية في هذه المرحلة أقرب إلى محاولة إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً بانتظار تبدل الظروف الميدانية.
وفي موازاة هذا المسار، تبرز داخل الساحة اللبنانية مواقف متباينة حيال أي تسوية محتملة، ولا سيما في ما يتعلق بمسألة سلاح حزب الله. وفي هذا السياق، عبّر الحزب عن رفضه لأي مقاربة تربط إنهاء الحرب بملف سلاح المقاومة، معتبراً أن هذه الطروحات تندرج في إطار ضغوط سياسية لا يمكن القبول بها ضمن أي تسوية مطروحة.
وفي موازاة هذه الطروحات السياسية، تكشف المعطيات الدبلوماسية عن تصور إسرائيلي متكامل لإعادة رسم الواقع الأمني في جنوب لبنان. وتشير المعلومات إلى أن هذا التصور طُرح في نقاشات سابقة مع الجانب الأميركي، وهو يقوم، في حال فشلت المفاوضات مع لبنان، على تقسيم الجنوب إلى ثلاثة خطوط أمنية متدرجة، بما يعكس محاولة لتثبيت معادلة ميدانية جديدة تتجاوز الحدود القائمة.
يشكّل الخط الأزرق في هذا التصور المستوى الأول من الحدود الأمنية، وهو الخط الذي يفترض نظرياً أنه يمثل خط الانسحاب الإسرائيلي المعترف به دولياً منذ عام 2000. إلا أن التطورات العسكرية التي شهدها الجنوب منذ عام 2024 أدت عملياً إلى تجاوز هذا الخط، بعدما تقدمت القوات الإسرائيلية إلى داخل عدد من النقاط الحدودية، ما أوجد واقعاً ميدانياً مختلفاً عن الحدود المعترف بها دولياً.
أما الخط الثاني، فيُراد له أن يتحول إلى حزام أمني متقدم يتيح لإسرائيل حضوراً عسكرياً وأمنياً مباشراً. ويشمل هذا الحضور انتشاراً محدوداً للقوات، إضافة إلى منظومات مراقبة إلكترونية متطورة وتجهيزات عسكرية عالية التقنية، وصولاً إلى اعتماد وسائل مراقبة آلية وأنظمة روبوتية لمتابعة التحركات على طول الحدود.
أما الخط الثالث، فتدل المؤشرات إلى أن هذا الخط لا يقتصر على اعتبارات عسكرية فحسب، بل يشكّل في جوهره منطقة عازلة واسعة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع مشاريع اقتصادية تحظى بدعم أميركي، مع احتمال وجود قوات أميركية فيها، خصوصاً في ظل الحديث عن انتهاء مهمة قوات اليونيفيل مع نهاية هذا العام.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه المنطقة قد تخضع لنظام خاص من القيود، سواء لجهة الحركة أو الإقامة أو الدخول إليها، بما يعني عملياً فرض ضوابط مشددة على السكان المحليين.
ووفق هذا الطرح، قد تمتد المنطقة المقترحة لتشمل مساحات واسعة من القرى والبلدات الجنوبية، بما فيها مناطق مأهولة.
وعليه، فإن إسرائيل تسعى عملياً إلى فصل منطقة جنوب نهر الليطاني عن بقية الأراضي اللبنانية. ويذهب بعض الخبراء إلى القول إن الخطة الإسرائيلية لا تقوم فقط على إنشاء منطقة عازلة، بل قد تصل إلى حد احتلال منطقة جنوب الليطاني لفترة طويلة، في إطار ترتيبات أمنية جديدة تفرضها الوقائع الميدانية.
كما تلوّح إسرائيل، في موازاة ذلك، بإمكانية إعادة النظر في اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع عام 2022، في خطوة تُقرأ على أنها محاولة لزيادة الضغوط السياسية والاقتصادية على لبنان.
وبحسب مطلعين على الأجواء الأميركية، فإن النقاشات الجارية بدأت تمتد إلى محاولة إعادة صياغة الواقع السياسي والأمني في لبنان، بما قد يقود، في حال فشلت مفاوضات ما بعد الحرب، إلى نظام نفوذ موزع على مناطق مختلفة، على نحو يقترب من نموذج السلطة الفلسطينية.
وفي حال تطورت هذه الطروحات إلى مشاريع فعلية، فإن لبنان قد يجد نفسه أمام واقع سياسي وأمني جديد يقوم على توزيع مناطق النفوذ وفق ثلاث فئات رئيسية:
الأولى منطقة «أ» تخضع لسلطة حصرية للدولة اللبنانية، والثانية منطقة «ب» تقوم على سلطة مشتركة بين الدولة وحزب الله، أما الثالثة فهي منطقة «ج» التي تمتد جنوب نهر الليطاني وتخضع لترتيبات أمنية خاصة.
وهذه الطروحات، في حال دخلت حيز التنفيذ، ستعني الذهاب نحو تقسيم ديمغرافي لا تغيير ديمغرافيا. أما إذا نجحت المفاوضات التي ستقودها الولايات المتحدة، فإن هذه المشاريع تسقط، مع تمسك الدولة بقرارها الأمني في لبنان وانتشار الجيش فعلياً في الضاحية الجنوبية كما في جنوب وشمال الليطاني.










اترك ردك