صدمة وترويع أم حرب استنزاف؟ كيف تهدد الحرب الأميركية– الإسرائيلية – الإيرانية الاقتصاد العالمي

في لحظة مفصلية تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط، تقف المنطقة على حافة مواجهة مفتوحة تتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية. فمع تصاعد التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، وتحول مضيق هرمز إلى نقطة اشتعال مركزية، لم يعد الحديث يدور حول احتواء أزمة، بل عن إدارة انفجار إقليمي محتمل. مهلة الـ48 ساعة التي أعلنها الرئيس الاميركي دونالد ترامب لإعادة فتح المضيق تختصر انتقال الصراع من الضغط السياسي إلى حافة العمل العسكري، فيما تلوّح إيران بردّ واسع قد يطال البنية التحتية للطاقة في المنطقة بأسرها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس في وقع التهديد بحد ذاته، بل في طبيعته: هل نحن أمام تصعيد حقيقي يمهّد لمواجهة عسكرية أوسع، أم أمام سياسة ردع محسوبة تسعى إلى ضبط سلوك طهران دون الانزلاق إلى حرب شاملة؟
في هذا السياق، يضع الخبير الاقتصادي الدكتور بلال علامة هذه التهديدات ضمن إطار “الردع المتقدّم”، حيث يتم رفع سقف الخطاب لإعادة رسم خطوط حمراء جديدة، لا سيما في ظل اتساع رقعة الاشتباك غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران. ويؤكد علامة أن واشنطن تدرك أن أي استهداف مباشر للبنى التحتية الحيوية في إيران لن يبقى دون رد، فيما تتعامل طهران مع هذه التهديدات بجدية عملياتية، لكنها لا تنجرّ بسهولة إلى مواجهة تقليدية، بل تفضّل توسيع نطاق الرد غير المتماثل عبر أدواتها الإقليمية، من العراق إلى اليمن إلى لبنان.
ويشير علامة إلى أن ما نشهده اليوم هو اقتراب خطير من نهاية مرحلة “حرب الظل” التي حكمت العلاقة بين الطرفين لسنوات، حيث لم يعد استهداف منشآت الطاقة أو البنى التحتية مجرد رسالة سياسية، بل يقترب من كونه إعلاناً غير مباشر عن دخول مرحلة جديدة من الاشتباك، تصبح فيها الأهداف الاقتصادية والحيوية في صلب المعركة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، وفقاً لعلامة، في الانتقال من استهداف عسكري محدود إلى ضرب ركائز الدولة ووظائفها الأساسية، خصوصاً مع تلميح ترامب مراراً إلى إمكانية ضرب منشآت إيران الحيوية، بما يعني تدمير مقومات الدولة وإعادة المجتمع الإيراني إلى وضع بدائي اقتصادياً وخدماتياً.
في موازاة هذا التحليل، يقدّم المتخصص في النقل البحري الدولي الدكتور وسام ناجي قراءة ميدانية أيضاً، معتبراً أننا نعيش ذروة تصعيد عسكري غير مسبوق منذ عقود، حيث تحوّلت “حرب الظل” إلى مواجهة مباشرة ومعلنة. ويشير ناجي إلى أن تهديدات دونالد ترامب الصادرة في 21 مارس 2026 تجاوزت إطار الردع التقليدي، لتتحول إلى مهلة نهائية (Ultimatum) مدتها 48 ساعة تنتهي ليل الإثنين 23 مارس، لإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل ومن دون شروط. فتهديد ترامب بـ”سحق” محطات الطاقة الإيرانية يمثّل تحولاً جذرياً من سياسة الردع إلى التمهيد لعمل عسكري واسع.
ويؤكد ناجي أن ربط استهداف محطات الطاقة الإيرانية بإعادة فتح المضيق يعني أن واشنطن انتقلت إلى فرض “تغيير السلوك بالقوة الصلبة”، وهو ما تراه طهران تهديداً وجودياً. وفي هذا الإطار، يشير إلى تهديدات رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بردّ “لا رجعة فيه” يستهدف البنية التحتية للطاقة والتحلية في كامل المنطقة، ضمن استراتيجية “الكل أو لا أحد”، بما يشمل منشآت كبرى في الخليج.
وعلى المستوى النووي، يشدّد علامة على أن التمييز بين “مفاعل نووي” و”منشأة نووية” ليس تفصيلاً تقنياً، بل مسألة ذات أبعاد كارثية. فاستهداف مفاعل يحتوي على وقود نشط قد يفتح الباب أمام تلوث إشعاعي واسع النطاق، في سيناريو يعيد إلى الأذهان كوارث كبرى، مع ما يحمله ذلك من تداعيات بيئية وإنسانية عابرة للحدود. أما استهداف منشآت التخصيب أو التخزين، فرغم خطورته السياسية والعسكرية، يبقى ضمن هامش يمكن احتواؤه نسبياً. ومن هنا، يحذّر علامة من الانزلاق إلى ما يسميه “حرباً نووية غير تقليدية”، حيث لا تُستخدم الأسلحة النووية مباشرة، بل يتم توظيف البنية النووية كأداة ردع وتهديد، بما يرفع منسوب الذعر الاستراتيجي في المنطقة. كما يلفت إلى تحذيرات طهران من كارثة محتملة في حال استُهدف مفاعل أصفهان مجدداً نتيجة التسربات الإشعاعية.
أما ناجي فيحذر من أن استهداف مفاعل مثل بوشهر يشكّل خطراً إشعاعياً مباشراً قد يصل إلى حدّ الانصهار، ما ينذر بكارثة بيئية عابرة للحدود تمتد آثارها عبر مياه الخليج والتيارات الهوائية. أما استهداف منشآت مثل نطنز، فيؤدي إلى تلوث إشعاعي وكيميائي ناتج عن غبار اليورانيوم، وهو أقل حدة من انفجار مفاعل لكنه كفيل بإنهاء البرنامج النووي تقنياً. ويرى ناجي أن هذا الواقع يندرج ضمن نمط “حرب نووية غير تقليدية”، حيث يُستخدم التلوث الإشعاعي كأداة ضغط، ما يهدد الأمن الغذائي والمائي لملايين البشر، وقد يجعل مساحات واسعة غير صالحة للسكن لعقود.
وفي ما يتعلّق بالممرات البحرية، يلفت ناجي إلى أن مضيق هرمز يمر عبره ما بين 20 و25% من النفط العالمي ونحو 20% من الغاز المسال، وأن تعطّله أدى بالفعل إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بشكل كبير، مع توقعات بوصول أسعار النفط إلى مستويات قياسية. كما يؤكد أن باب المندب دخل فعلياً على خط المواجهة، ضمن تنسيق يهدف إلى خلق “خنق مزدوج”، وفي حال تعطّل الممران معاً، فإن نحو 33% من تجارة النفط العالمية ستكون مهددة، ما سيدفع السفن إلى سلوك طريق رأس الرجاء الصالح، مع ما يحمله ذلك من ارتفاع كبير في تكاليف الشحن وموجة تضخم عالمية غير مسبوقة.
أما علامة فيؤكد أن أي مواجهة لن تبقى محصورة داخل الأراضي الإيرانية، بل ستمتد إلى شرايين الاقتصاد العالمي، حيث إن أي تعطيل كامل في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، كفيل بإحداث صدمة طاقوية غير مسبوقة، ترفع الأسعار إلى مستويات قياسية وتدفع الاقتصاد العالمي نحو اضطراب حاد. كما يحذّر من أن دخول الحوثيين على خط المواجهة يهدد ممر باب المندب، ما يعني عملياً خنق مسارين بحريين حيويين للتجارة الدولية.
اقتصادياً، يسلّط علامة الضوء على جزيرة خارك بوصفها أحد أبرز نقاط الضعف الإيرانية، إذ تمثل الشريان الرئيسي لصادرات النفط، وأي استهداف لها يشكّل ضربة مباشرة لقدرة طهران على الصمود. ويرى أن خسارة هذه الورقة قد تدفع إيران إلى خيارات أكثر راديكالية، ليس دفاعاً عن الاقتصاد فحسب، بل عن توازن الردع ذاته. كما يؤكد أن الأسواق العالمية، بطبيعتها الحساسة، لن تنتظر وقوع الكارثة لتتفاعل، فمجرد ارتفاع منسوب التوتر كفيل بإشعال أسعار النفط وزيادة تقلبات الأسواق المالية ودفع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة.
أما ناجي فيقول من جهته إن جزيرة خارك “رئة” الاقتصاد الإيراني، إذ تمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط. وخسارتها تعني توقف الصادرات بالكامل، ما يؤدي إلى انهيار حاد في العملة الإيرانية وفقدان القدرة على تمويل العمليات العسكرية أو دعم الحلفاء. كما أن فقدان السيطرة عليها، سواء بالتدمير أو الاستيلاء، يعني قطع الشريان المالي الأساسي للنظام. وفي ظل غياب خارك، ستتحول إيران إلى اقتصاد داخلي مشلول، غير قادر على الوفاء بالتزاماته أو تمويل آلته العسكرية لفترة طويلة. إلا أن هذا السيناريو قد يدفعها إلى ردّ أكثر تصعيداً عبر استهداف منشآت النفط الخليجية، بهدف فرض “توازن الخسائر”.
وتشير المعطيات الحالية إلى توجه أميركي نحو استراتيجية “الصدمة والترويع” (Shock and Awe) لحسم الصراع سريعاً، غير أن طبيعة الجغرافيا الإيرانية وتشعّب أذرعها الإقليمية يجعلان، بحسب ناجي، من احتمال تحوّل المواجهة إلى حرب استنزاف إقليمية السيناريو الأكثر ترجيحاً، في ظل تراجع فرص الحلول الدبلوماسية بوتيرة متسارعة.
ورغم محاولات قوى دولية كالصين وروسيا احتواء التصعيد حفاظاً على مصالحها الطاقوية، فإن العدّ التنازلي الذي فرضته واشنطن يضع المنطقة، كما يقول ناجي، أمام لحظة مفصلية، تبدو معها نقطة العودة الدبلوماسية بعيدة، ما لم يحدث تراجع مفاجئ في الموقف الإيراني بشأن المضيق.
في المحصلة، المنطقة لم تدخل بعد في حرب شاملة، لكنها تجاوزت مرحلة الاستقرار الهش، لتدخل في مسار تصعيدي مفتوح على “استنزاف متدرّج”، حيث تتراكم الضربات والردود دون حسم، مع بقاء احتمال الانفجار قائماً في أي لحظة. إذاً، نحن أمام حافة هاوية عالمية، فيما يقف لبنان على حافة انهيار مضاعف اقتصادياً وبنيويا في قلب عاصفة إقليمية مفتوحة على كل الاحتمالات.