في قلب الميدان.. الحرب تطال أهل الواجب

في جنوبٍ يلفّه الدخان والحزن، لم تعد الحرب تقتصر على تدمير الحجر أو استهداف المواقع، بل تجاوزت ذلك إلى الإنسان نفسه وهو يمارس دوره. هناك، حيث يسرع المسعف لإنقاذ مصاب، ويتقدم الصحافي لنقل الحقيقة، ويمضي العسكري في مهمة اعتيادية، بات الموت أقرب من أي وقت، كأنه يلاحق كل من بقي في الميدان شاهداً أو مسانداً أو حامياً. وفي هذا المشهد الموجع، لا تبدو الخسائر مجرد أعداد تُضاف إلى سجل الاعتداءات، بل نزفاً لبنانياً متواصلاً يطال أعمدة المجتمع الأساسية.

وفي يوم واحد فقط، ظهرت هذه الصورة بكل قسوتها. إذ استهدفت غارة إسرائيلية عدداً من الصحافيين والإعلاميين في جنوب لبنان، ما أسفر عن استشهاد الزميلين علي شعيب من قناة “المنار” وفاطمة فتوني من قناة “الميادين”، إلى جانب شقيق الزميلة فتوني. وفي الوقت نفسه، ارتقى عدد من المسعفين شهداء إثر غارة طالت فرق إسعاف خلال تأديتها واجبها الإنساني، في مشهد يعكس اتساع دائرة الاستهداف لتشمل العاملين في خطوط الإنقاذ والدعم. كذلك استشهد عنصران من الجيش في غارة إسرائيلية على دير الزهراني، فيما أشارت المعلومات إلى أن الشهيد محمد طفيلي من الشرطة العسكرية في الجنوب كان برفقة زميل له في طريقهما لشراء علف للحيوانات حين باغتتهما الغارة.

ولا يجمع بين هذه الوقائع قسوة المشهد وحده، بل ما تحمله من دلالات أعمق. فالصحافي ليس مقاتلاً، والمسعف لا يحمل إلا رسالته الإنسانية، والعسكري الذي استُهدف في هذه الوقائع لم يكن في قلب اشتباك مباشر. وهذا ما يمنح هذه الضربات بعداً أشد خطورة، لأنها تطال فئات يُفترض أن تتمتع بأقصى درجات الحماية، سواء بحكم طبيعة عملها الإنساني أو بدورها في حماية المجتمع ونقل الحقيقة.

وبحسب قواعد القانون الدولي الإنساني، يتمتع الإعلاميون المدنيون بالحماية ما داموا لا يشاركون مباشرة في الأعمال القتالية، كما تحظى الطواقم الطبية والإسعافية بحماية خاصة، ويُفترض ألا تكون هدفاً تحت أي ظرف أثناء قيامها بمهامها. كذلك، تفرض هذه القواعد التمييز الواضح بين الأهداف العسكرية والمدنيين، وتحظر الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة. ومن هذا المنطلق، فإن استهداف إعلاميين ومسعفين، إلى جانب سقوط عسكريين في ظروف لا توحي بوجود مواجهة مباشرة، يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية واسعة بشأن حدود استخدام القوة ومدى الالتزام الفعلي بقوانين الحرب.

قيادة الجيش نعت الشهيد محمد مفيد طفيلي

لكن بعيداً عن النصوص والمواد القانونية، تبقى المأساة اللبنانية هي الوجه الأكثر وجعاً في كل ما يحدث. فكل شهيد من هؤلاء لا يمثل مهنته فقط، بل يجسد عائلة مكلومة، ومؤسسة مفجوعة، وبيئة كاملة تعيش تحت وطأة الفقد المتكرر. الإعلامي الذي خرج لينقل الحدث صار هو الحدث، والمسعف الذي توجه لإنقاذ الأرواح أصبح ضحية، والجندي الذي يُفترض أن يكون جزءاً من منظومة الحماية سقط هو أيضاً في قلب الاستهداف. وهكذا، تتوسع الحرب لتصيب ليس فقط الجبهات، بل أيضاً الوظائف الإنسانية والوطنية التي يقوم عليها الحد الأدنى من صمود المجتمع.

إن ما يجري في الجنوب لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد تطور ميداني عابر، بل بوصفه صورة مكثفة لحرب تزداد شراسة، وتضع لبنان أمام اختبار إنساني وأخلاقي بالغ القسوة. وحين يصبح الإعلامي والمسعف والجندي في مرمى واحد، فإن الخطر لا يهدد الأفراد وحدهم، بل يهدد حق الناس في النجاة، وفي المعرفة، وفي الإحساس بأن هناك من لا يزال يحمي ما تبقى من هذا الوطن المنهك.