بين التنصّل والتصعيد… ترامب يبحث عن مخرج!

في لحظة كانت فيها الأنظار تتجه إلى خطاب يُفترض أن يكشف اتجاه المرحلة المقبلة من الحرب، جاء ظهور الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليضيف مزيداً من الغموض بدل أن يبدّده، إذ لم يحمل في تفاصيله ما يوازي مستوى الترقّب الذي سبقه، بل بدا أقرب إلى إعادة تدوير للرواية نفسها، مع فجوة واضحة بين ما يقوله ومسار المواجهة.

وفي هذا السياق، عكس الخطاب، في بنيته ومضمونه، ارتباكاً واضحاً في تحديد الاتجاه، إذ تحدّث ترامب عن “نصر كامل” وتدمير واسع لقدرات إيران، قبل أن يعود ليطرح استمرار العمليات لأسابيع إضافية من دون تفسير مقنع، ما يكشف تناقضاً بين إعلان الحسم ومواصلة القتال، ويطرح تساؤلات جدية حول حقيقة ما تحقق ميدانياً، وحول جدوى إطالة أمد المواجهة لتحقيق مكاسب لم تُحسم بعد.

من جهة أخرى، اتجه الخطاب إلى نقل مركز الثقل من الميدان إلى الداخل الأميركي، عبر التركيز على الملف الاقتصادي، ولا سيما أسعار الطاقة والتضخّم، في محاولة واضحة لاحتواء الضغط الداخلي، خصوصاً مع تصاعد كلفة الحرب، غير أن هذا التحول ترافق مع طرح اختزالي لمسار أسعار النفط، إذ ربط ترامب انخفاضها بانتهاء الحرب من دون تقديم تفسير واقعي لكيفية حدوث ذلك في ظل التصعيد القائم.

في المقابل، حمل الخطاب مؤشراً لافتاً على محاولة إعادة توزيع الأعباء، من خلال الإيحاء بأن الولايات المتحدة لم تعد الجهة المسؤولة عن تأمين مضيق هرمز، ما يجعل هذا الطرح أقرب إلى التنصل، ويعكس توجهاً نحو دفع الحلفاء لتحمّل كلفة أكبر، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تقليص انخراطها المباشر أو إعادة صياغته، ما يضع الدول المستفيدة من المضيق أمام معادلة ضاغطة، إذ تجد نفسها مطالَبة بحماية شريان حيوي للاقتصاد العالمي من دون امتلاك القدرة العسكرية أو القرار السياسي اللازم لذلك، ما يضعها بين خيار الانخراط في المواجهة أو تحمّل كلفة اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار.

غير أن هذا التوجه لا ينفصل عن مأزق أعمق يواجهه ترامب، إذ يتزامن التلويح بالتصعيد، وصولاً إلى التهديد باستهداف البنى التحتية الحيوية في ايران، مع غياب أي أفق تفاوضي واضح بعد تعثّر قنوات الاتصال، ما يكشف أن واشنطن لا تملك حتى الآن مساراً سياسياً موازياً للتصعيد. ومن هنا، يتحوّل الخطاب التصعيدي من تعبير عن فائض قوة إلى محاولة لتعويض انسداد الخيارات، فيما يبدو أن الإدارة الأميركية تنشغل بالبحث عن مخرج يحفظ صورتها أكثر مما تنشغل بصياغة تسوية فعلية قابلة للتحقق.

على الأرض، لم يتأخر الرد الإيراني على الخطاب. فالتطورات التي أتت مباشرة بعده أظهرت أن مسار المواجهة لم يتراجع، بل يتجه نحو مزيد من التعقيد، الأمر الذي يعزز الانطباع بأن الخطاب أدّى وظيفة شكلية أكثر مما عبّر عن تحوّل فعلي في مسار الحرب، إذ بدا موجهاً لاحتواء الداخل الأميركي وإدارة وقعه السياسي، في وقت بقيت فيه المعركة مفتوحة على احتمالات أوسع من التصعيد.

وفي هذا الإطار، تظهر الضبابية بوضوح في ما يتصل بخيار التوسّع العسكري، ولا سيما مع تضارب المعلومات حول إدخال قوات برية إلى إيران، بين تسريبات تتحدث عن قرار جاهز وخطاب لم يأتِ على ذكره، ما يعكس ارتباكاً واضحاً في تحديد الاتجاه. ويتقاطع ذلك مع غياب أي مسار تفاوضي فعلي في ظلّ رفض إيراني مستمر، ما يفتح الباب أمام استخدام التصعيد لفرض وقائع قبل أي انسحاب.

وفي موازاة ذلك، تتكشّف دلالات الخطاب عند وضعه في سياق تنسيقه مع المسار الإسرائيلي، إذ يتقاطع توقيت الحديث عن أسابيع إضافية من العمليات مع حاجة “تل أبيب” إلى استكمال بنك أهدافها، ما يفسّر تمديد المعركة ضمن سقف زمني محدّد على أمل تحويل الضغط العسكري إلى مكسب سياسي لاحق. إلا أن هذا الرهان لا يستند إلى معطيات ثابتة، في ظل غياب مؤشرات على استعداد إيراني للتراجع، ما يجعل هذا المسار أقرب إلى محاولة شراء وقت أكثر منه مساراً نحو تسوية، خصوصاً أن إطالة أمد العمليات لا تعني بالضرورة فرض نتائج، بل قد تتيح للطرف المقابل امتصاص الضربات وانتظار تبدّل المعادلات، مع ما يحمله ذلك من مخاطر انزلاق نحو مواجهة أوسع يصعب ضبطها، لا سيما مع أي انخراط بري.

في الخلاصة، لم ينجح الخطاب في تثبيت رواية متماسكة لما يجري، بل كشف عن صعوبة الجمع بين إعلان الانتصار والاستمرار في القتال، وبين تقليص الالتزامات وتوسيع دائرة المسؤوليات. وبينما تحاول واشنطن إعادة ضبط موقعها، يبدو أن الميدان وحده هو الذي يفرض الايقاع.