هل يفعلها ترامب؟

في خطابه الأخير، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكأنه يتحدث من موقع القوة، مستعرضًا ما اعتبره إنجازات عسكرية تحققت خلال الحرب. إلا أن القراءة المتأنية لمضمون الخطاب تكشف غيابًا واضحًا لأي استراتيجية سياسية متكاملة للخروج من المواجهة.

فقد ركّز الرجل على نتائج ميدانية، لكنه لم يقدم تصورًا واضحًا لكيفية ترجمة هذه النتائج إلى تسوية سياسية مستدامة، ما يوحي بأن الإدارة الأميركية قد تكون دخلت في مأزق استراتيجي يصعب الخروج منه بسهولة.

المشكلة الأساسية التي بدت واضحة في الخطاب هي أن الإنجازات العسكرية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تتحول تلقائيًا إلى انتصار سياسي. فالحروب الحديثة لا تُحسم فقط في ساحات القتال، بل في غرف التفاوض أيضًا. وفي حالة ترامب، بدا وكأنه يفتقر إلى خريطة طريق واضحة تحدد كيف يمكن تحويل الضغط العسكري إلى مكاسب سياسية قابلة للاستمرار.

وهذا الغياب في الرؤية يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت واشنطن تملك فعلًا تصورًا لنهاية الحرب، أم أنها تكتفي بإدارة المواجهة يومًا بعد يوم .
من هنا، يبدو أن أحد الخيارات التي قد يفكر بها ترامب يتمثل في دفع ايران إلى تحمّل ثمن باهظ جدًا من الدمار، ثم الانسحاب من دون الدخول في تسوية سياسية شاملة.

 مثل هذا السيناريو قد يهدف إلى وضع الإيرانيين أمام أزمة داخلية وإحراج إقليمي كبير، خصوصًا أمام دول المنطقة التي ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع واقع جديد فرضته الحرب. هذا الخيار، وإن بدا مغريًا من زاوية إظهار القوة، يحمل في طياته مخاطر كبيرة تتجاوز حدود ساحة المعركة.

فالانسحاب من دون تسوية واضحة يعني عمليًا ترك فراغ سياسي وأمني في منطقة شديدة الحساسية. وفي حال حصل ذلك، ستجد دول عديدة نفسها مضطرة للبحث عن حلول مباشرة مع إيران، خصوصًا في ملفات حيوية مثل أمن الملاحة وفتح الممرات البحرية. وهذا التطور قد يمنح طهران فرصة لتعزيز موقعها كقوة إقليمية مؤثرة، وربما كطرف لا يمكن تجاوزه في أي معادلة دولية تتعلق بأمن الطاقة والتجارة العالمية.

المفارقة في هذا السيناريو أنه قد يؤدي، بشكل غير مباشر، إلى نتيجة معاكسة لما تسعى إليه واشنطن. فإذا انسحبت الولايات المتحدة من دون تسوية، فإن ذلك سيُفسَّر لدى الحلفاء والخصوم على حد سواء على أنه تراجع عن الالتزامات، ما يضعف الثقة في قدرتها على إدارة الأزمات الكبرى. كما أن ترك دول العالم لتتفاوض منفردة مع إيران قد يساهم في تكريس صورة طهران كقوة إقليمية وعالمية معترف بها، وهو ما قد يشكل تحوّلًا استراتيجيًا عميقًا في موازين القوى.

يبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن يذهب ترامب فعلًا في هذا الاتجاه؟ أم أن الضغوط الداخلية والخارجية ستدفعه في النهاية إلى البحث عن تسوية سياسية تواكب العمليات العسكرية بدل الاكتفاء بعرض نتائجها؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مسار الحرب الحالية، بل شكل التوازنات الإقليمية والدولية في السنوات المقبلة.