من هو المستفيد من تحرّيك جمر الفتنة الداخلية

قد تكون حادثتا ساقية الجنزير والرويسات – الجديدة من بين حوادث كثيرة قد تحصل في أي وقت وفي أي مكان، حتى في أفضل الظروف الطبيعية. ولكن ما هو مقلق وخطير في آن أن أحدًا ما لم يجد حتى الساعة أي تفسير لما تبع هاتين الحادثتين من ردود فعل في الشارع المعبأ والمحقون والمهيأ أساسًا لأن يكون من جديد وقودًا لمشاريع لا علاقة لهذا الشارع بها لا من قريب ولا من بعيد. ولكن ثمة تساؤلات كثيرة عن الجهة أو الجهات المستفيدة من تحريك جمر الفتنة، خصوصًا أن تفلت مواقع التواصل الاجتماعي من أي ضابط أخلاقي يساهم كثيرًا في تأجيج ما لا يزال خفيًا حتى الآن من غرائز وأحقاد دفينة لا تلبث أن تطفو على سطح المياه الراكدة، والتي قد يُستفاد من تعكيرها من قِبل الذين لا يضمرون للبنان الخير، ويحاولون بشتى الطرق العبث بالاستقرار والسلم الأهليين.
الذين خبروا هذا النوع من أعمال الغرف السوداء خلال فترات متقطعة يدركون تمام الادراك أن ضربة كف واحدة كافية لإعادة تحريك الشارع، الذي تبيّن أنه يغلي، ولو على نار هادئة، وأن الفتنة عادة تبدأ بشرارة واحدة، وغالبًا ما تكون البداية من خلال حادث فردي في منطقة حسّاسة ومتداخلة جغرافيًا.
إلّا أن ما يدعو إلى الطمأنينة هو ما لدى الأجهزة الأمنية المعنية بالحفاظ على السلم الأهلي من “داتا” مخابراتية كفيلة بإهماد أي حركة يٌُشتّم منها بأنها مشبوهة، خصوصًا أن التجارب السابقة في هذا المجال أثبتت خلالها هذه الأجهزة الأمنية فعالية عالية الدقّة في التنفيذ والتحرّك السريع لوأد أي محاولة لتعكير الاستقرار العام في مهدها، والحؤول دون تحقيق ما يُطبخ من خطط مشبوهة وغير بريئة.
غير أن الاطمئنان إلى جهوزية الأجهزة الأمنية، على أهميته، لا يُلغي حقيقة أن البيئة الداخلية باتت أكثر هشاشة من أي وقت مضى، وأن قابلية الشارع للاشتعال لم تعد تحتاج إلى أكثر من شرارة صغيرة. فالأزمات الاقتصادية المتراكمة، والانقسام السياسي الحاد، وتراجع الثقة بالدولة ومؤسساتها، كلها عوامل تجعل من أي حادث فردي مادة قابلة للاستثمار والتضخيم، خصوصًا في ظل الفوضى الإعلامية التي تضخّم الحدث وتخرجه من حجمه الطبيعي إلى أبعاد خطيرة.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري عن محاولات دائمة، داخلية وخارجية، لاستثمار التوترات المتنقلة في أكثر من منطقة، بهدف إعادة خلط الأوراق وإدخال البلاد في دوامة من الفوضى الأمنية. فلبنان، الذي لطالما كان ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، يبقى عرضة لمحاولات الضغط عليه من بوابة الداخل، عبر اللعب على وتر الحساسيات الطائفية والمناطقية.
أما الأخطر، فهو الدور الذي تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي، التي تحوّلت إلى منصّة مفتوحة لبث الشائعات والتحريض، من دون أي ضوابط مهنية أو أخلاقية. ففي غضون دقائق، يمكن لحادث فردي أن يتحوّل إلى قضية رأي عام، تُشحن حولها النفوس، وتُستحضر من خلالها رواسب الماضي، وكأن هناك من ينتظر اللحظة المناسبة لإعادة إحياء خطوط تماس ظنّ اللبنانيون أنهم تجاوزوها.
ولا يمكن في هذا الإطار تجاهل وجود “غرف سوداء” تجيد استثمار هذه اللحظات، سواء عبر نشر معلومات مضلّلة أو عبر تضخيم الوقائع وتوجيهها في اتجاهات محددة. وهذه الأساليب ليست جديدة على لبنان، لكنها اليوم أكثر خطورة بفعل تسارع انتقال الأخبار عبر وسائل التواصل وسهولة التأثير على الرأي العام، خصوصًا في ظل غياب خطاب سياسي مسؤول يهدّئ النفوس بدلًا من تأجيجها.
من هنا، فإن مسؤولية ضبط الشارع لا تقع على عاتق الأجهزة الأمنية وحدها، بل تتطلب أيضًا وعيًا سياسيًا وإعلاميًا وشعبيًا. فالتجارب المريرة التي مرّ بها اللبنانيون يجب أن تكون كفيلة بردع أي انزلاق نحو الفتنة، مهما كانت الأسباب أو الذرائع. كما أن على القوى السياسية، على اختلافها، أن تدرك أن اللعب بالنار في هذه المرحلة قد يخرج عن السيطرة، ولن يكون في الإمكان ضبط تداعياته كما في السابق.
قد لا يكون من السهل تحديد من يحرّك جمر الفتنة في كل مرة، لكن المؤكد أن هناك من يستفيد من إبقاء هذا الجمر متأججًا تحت الرماد. وبين من يشعل الشرارة ومن يلتقطها ويوسّعها، يبقى لبنان الخاسر الأكبر، وهو الذي لم يعد يحتمل مغامرات جديدة على حساب استقراره وسلمه الأهليين.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى الرهان على وعي اللبنانيين، وعلى يقظة مؤسساتهم الأمنية، لقطع الطريق أمام كل من يحاول العبث بالنار في بلدٍ يكفيه ما فيه من أزمات، ولا يحتاج إلى فتنة جديدة تُضاف إلى جراحه المفتوحة.
فالسؤال اليوم لم يعد عمّا إذا كانت الفتنة ممكنة، بل متى وكيف يمكن أن تُشعل. فكل المؤشرات تدلّ على أن الأرضية مهيّأة، وأن ما يجري ليس دائمًا وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمات يجري استثمارها في اللحظة المناسبة.
وإذا كان من الصعب تحديد الأصابع التي تعبث بهذا الجمر، فإن الأخطر هو وجود من ينتظر اللحظة المناسبة لنفخ النار وتحويلها إلى حريق شامل. وعندها، لن ينفع الندم، ولن يكون بالإمكان إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
لبنان اليوم أمام اختبار وعي جماعي. فإما أن يُحبط هذه المحاولات قبل أن تتحوّل إلى واقع، وإما أن يسقط مجددًا في فخ الفتنة التي لا تُبقي ولا تذر. فالنار، حين تشتعل، لا يُسأل من أشعلها لأنها تأكل الجميع بخضارهم ويباسهم.