والواقع أن جلّ ما ترغب فيه إيران من لبنان راهناً ليس حرباً يشنها الحزب على إسرائيل ولا رفع مساهمته ضدها أكثر مما يقوم به حالياً.
والحال أن الولايات المتحدة ملتزمة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب التعاون مع إسرائيل من أجل كبح أنشطة إيران المزعزعة في لبنان، بما في ذلك منع نقل الأسلحة أو أي دعم من إيران. وهنا يبرز السؤال: هل تساهم إسرائيل في إعطاء إيران الاعتراف بدورها الإقليمي عبر أدائها في المفاوضات مع لبنان، وهو ما يوفر نصراً استراتيجياً مزدوجاً لها وللحزب.
وكتب ألان سركيس في” نداء الوطن”: بعد دخول “حزب الله” حرب إسناد إيران، وما جرّه من ويلات على البلد، تكشف المعطيات الدبلوماسية أنّ المنطقة دخلت فعليًا مرحلة التسويات الكبرى. وتؤكد مصادر رسمية لبنانية، أنّ لبنان ذاهب حتى النهاية في خيار التفاوض، وأنّ قرار السير بالتسوية الاستراتيجية اتُّخذ، ولن يتراجع مهما بلغت الضغوط أو ارتفعت نبرة التهديد من “حزب الله” وإيران. وبحسب المصادر، فإنّ الأميركيين أبلغوا المعنيين في بيروت أنّ المرحلة المقبلة لن تشبه ما قبل الحرب الأخيرة، وأنّ المجتمع الدولي يريد تثبيت واقع جديد، يقوم على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية وإعادة ضبط الحدود الجنوبية بشكل كامل.
وتؤكد المصادر أنّ النقاشات الجارية لم تعد محصورة بتطبيق القرار 1701 أو اتفاقية الهدنة، بل تتجاوز ذلك نحو مقاربة أوسع قد تفتح الباب أمام سلام عبر المفاوضات المباشرة. والثابت حتى الآن أنّ واشنطن تمارس ضغطًا متزايدًا لدفع لبنان نحو التسوية، فيما تبدو العواصم العربية والخليجية أكثر استعدادًا لدعم أي مسار يعيد تثبيت الاستقرار ويمنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
وفي قلب هذا المشهد، يقف الرئيس جوزاف عون أمام أخطر اختبار منذ وصوله إلى بعبدا. فالرجل الآتي من المؤسسة العسكرية، يدرك أنّ لحظة إعادة رسم التوازنات في المنطقة قد بدأت، وأنّ لبنان يقف أمام خيارين لا ثالث لهما: الدخول في تسوية كبرى تعيد تثبيت الدولة، أو البقاء ساحة مفتوحة لحروب الآخرين كما كان منذ عام 1948.
وكتب ابراهيم بيرم في” النهار”: في إحدى إطلالاته الأخيرة، أطلق الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم شعاراً أن الحزب يرفض رفضاً قاطعاً العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل 2 آذار الماضي، أي اليوم الذي عاد فيه إلى المشاركة في حرب إقليمية كانت ابتدأت لتوها في الإقليم إسناداً لإيران.
لم يكن قاسم أول من رفع هذا الشعار، إذ سبقه إلى ذلك رموز من الحزب وناطقون بلسانه، فبدا كأنه شعار المرحلة عند الحزب.
وعليه، فإن ثمة من سارع إلى طرح السؤال: هل ارتسم ما بعد هذا التاريخ واقع أفضل مما كان قبله؟
من البديهي أن ثمة من وسّع أفق السؤال عن حقيقة ما يطمح إليه الحزب عندما يطرح الشعار في هذه المرحلة بالذات، أي في ضوء المعادلات الميدانية والسياسية التي فرضت نفسها بعد تاريخ 2 آذار على جبهة المنطقة الحدودية، حيث ظهرت إسرائيل بأم العين وهي تحرز تقدماً على الأرض أباح لها إعادة احتلال أكثر من 500 كيلومتر، وأتاح لها التدمير الكلي لعشرات القرى والبلدات الحدودية، لكنها كانت في تقدير البعض عمليات ترهيب وسيطرة بالنار على جغرافيا جنوبية لا يستهان بمساحتها.
ثمة من يطرح سؤالاً على الحزب عن الدوافع التي حدت به ليرفع شعار رفض العودة إلى وضع كان أفضل مما آل إليه أخيراً، ويقدمه شعاراً للمرحلة.
خلال تلك الفترة كان الحزب يرصد كيف أن الإسرائيلي بات مطمئناً إلى معادلة بدا فيها مطلق اليد بعد سريان اتفاق وقف النار، وبات خلالها يفرض شروطه التي تصب في خانة واحدة هي فرض معاهدة سلام على لبنان وفق شروط إسرائيلية.
وبناء عليه، فإن شعار رفض العودة إلى ما قبل 2 آذار يعني عند الحزب رفض العودة إلى ظلال المعادلة السابقة، وهو يستند ضمناً إلى فرضية أن دخوله الحرب أخيراً فرض معادلة ميدانية – سياسية مختلفة.












اترك ردك