ويشكّل توجيه الحكومة الأميركية اتهامات إلى الرئيس الكوبي السابق راوول كاسترو بارتكاب جرائم قتل والتآمر لقتل مواطنين أميركيين، تطوراً خطيراً في سياق المواجهة المستمرة منذ نحو سبعة عقود بين واشنطن والجزيرة الشيوعية.
وجاء هذا الاتهام، الذي أثار صدى واسعاً عالمياً أمس الأربعاء، بالتزامن مع يوم استقلال كوبا، ما اعتُبر خطوة تصعيدية جديدة ضمن نهج ترامب.
ويترافق ذلك مع حصار نفطي أميركي أدى إلى تفاقم أزمة إنسانية حادة تهدد بانهيار المجتمع الكوبي، إلى جانب تصاعد الضغوط الدبلوماسية، وتسليم مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف قائمة مطالب جديدة خلال زيارته إلى هافانا.
“أستطيع فعل أي شيء”
كان ترامب يهدد كوبا منذ أسابيع، قائلاً إنه يستطيع فعل “أي شيء” يريده مع هذه الدولة الفقيرة، وقد “يشرفه” أن يستولي على كوبا.
وفي يوم الأربعاء، أعلن أنه “يحرر” البلاد. وقال للصحفيين: “إنها دولة فاشلة. أنتم ترون ذلك. إنها تتفكك. ليس لديهم نفط، وليس لديهم مال. لكننا هنا للمساعدة – نحن هنا لمساعدة العائلات والشعب”.
فبحسب خبراء، يبدو اتهام كاسترو المتعلق بإسقاط طائرتين مدنيتين عام 1996 أسفر عن مقتل أربعة أشخاص بينهم ثلاثة أمريكيين، بمثابة لعبة مزدوجة من جانب الإدارة الأميركية.
ويأمل ترامب في إضعاف النظام في هافانا بشكل أكبر، ربما بإبعاد أعضاء أضعف أو أكثر براغماتية قد يكونون على استعداد للحوار.
لكن الجبهة القانونية الجديدة قد تكون أيضاً ذريعة لعمل عسكري أو غارة خاصة مشابهة لتلك التي أطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كانون الثاني.
من جهته، حذر لي شلينكر، الباحث المشارك في معهد كوينسي لفنون الدولة المسؤولة، من أن اتهام وزارة العدل الذي تم الكشف عنه في فلوريدا قد يرتد سلباً على البيت الأبيض إذا كان الهدف منه دفع كوبا لتقديم تنازلات.
وقال شلينكر في تصريحات لشكة CNN: “أعتقد أن هذا سيكون حكم إعدام على أي صفقة محتملة مع كوبا”.
وأضاف: “هذا سيؤدي إلى تأثير التفاف حول العلم، وسيُصلب عقلية الحصار لدى القيادة الكوبية”.
استراتيجية الحصار
يمثل رهان كوبا أحدث اختبار لاستراتيجية الإدارة القائمة على زيادة الضغط الاقتصادي عبر فرض حصار، مع رفع احتمال استخدام القوة لإجبار الأعداء على الاستسلام.
نجحت هذه الاستراتيجية في فنزويلا، وساعدت في تحديد شخصيات رفيعة في النظام مثل دلسي رودريغيز التي أصبحت رئيسة مؤقتة وتتعامل مع فريق ترامب.
لكن الفنزويليين لم يروا بعد آمالهم في الديمقراطية تتحقق. أما في إيران، فقد فشلت الاستراتيجية المشابهة إلى درجة قد تجبر ترامب على إعادة إشعال الحرب.
وصف الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل الاتهام بأنه مناورة سياسية تعكس “الغطرسة والإحباط” للإمبراطورية الأمريكية.
ويشكل تحدي بلاده للإيمان الأساسي في السياسة الخارجية لترامب: أن كل موقف هو صفقة تنتظر حدوثها، وأن احتمال العمل العسكري الأميركي العنيف ضد الخصوم الأصغر يمكن أن يدفعهم إلى الانهيار وفتح حدودهم وعقاراتهم وموادهم الخام أمام الشركات الأمريكية.
حرب ترامب المتعثّرة
ميدانياً، لا توجد حتى الآن مؤشرات إلى حشود عسكرية أميركية كبيرة قرب كوبا، على غرار تلك التي سبقت العمليات الأميركية في فنزويلا وإيران.
إلا أن تقارير تحدثت عن تصاعد ملحوظ في رحلات الاستطلاع العسكرية الأميركية قبالة السواحل الكوبية، وهو نمط سبق الهجمات التي استهدفت إيران وفنزويلا.
في المقابل، فإن تراجع شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خلفية الحرب في إيران، يجعله يفتقر إلى رصيد سياسي كافٍ لدعم مغامرة عسكرية جديدة.
وتُظهر استطلاعات رأي حديثة أجرتها “CNN” و”نيويورك تايمز” وغيرها، أن غالبية الأميركيين تعارض الحرب في إيران، فيما ربط كثيرون بين سياسات ترامب والتحديات الاقتصادية التي يواجهونها في حياتهم اليومية.
كما تكشف الاستطلاعات أيضاً عن رفض غالبية الأميركيين لسياسة ترامب تجاه كوبا. وبينما قد تحظى أي مواجهة مباشرة مع هافانا بدعم المنفيين المناهضين للشيوعية في فلوريدا، وهم قوة سياسية مؤثرة، فإنها قد تتحول إلى عبء جديد على الجمهوريين في انتخابات منتصف الولاية.
ويعاني الحزب الجمهوري أساساً من تراجع تاريخي في شعبية ترامب، في وقت يستعد فيه الديمقراطيون لاستغلال أي صراع جديد لتصوير الرئيس على أنه بعيد عن هموم الناخبين ومعاناتهم.
وقال السناتور الديمقراطي روبن غاليغو في بيان صدر الشهر الماضي: “الشعب الأميركي لا يريد حرباً جديدة. ما يطالب به هو التركيز على بناء المساكن في أريزونا، لا قصف المساكن في هافانا. يريدون خفض تكاليف الرعاية الصحية، لا إرسال جيل جديد من المحاربين القدامى إلى المستشفيات مدى الحياة. يريدون حياة أكثر استقراراً، لا إنفاق أموال الضرائب على حروب غير ضرورية”.
مقاومة وخسائر كبيرة
في المقابل، فإن أي هجوم أميركي أو عملية خاصة ضد كوبا قد يواجه مقاومة أوسع وخسائر أكبر بكثير مقارنة بما حدث في عملية مادورو.
ورغم محدودية موارد الجيش الكوبي وتقادم معداته، إلا أنه لا يزال يمتلك القدرة على إلحاق خسائر بالقوات الأميركية.
كما يُتوقع أن تكون الحماية المفروضة حول الرئيس الكوبي السابق راوول كاسترو مشددة للغاية لمنع أي محاولة اختطاف سريعة.
وأشار شلينكر إلى أن الكوبيين يعتمدون عقيدة دفاعية تقوم على تعبئة السكان بالكامل في حال وقوع غزو أجنبي، موضحاً أن ذلك قد يؤدي إلى خسائر أميركية وسقوط عشرات، وربما مئات، من المدنيين الكوبيين وعناصر الأمن.
وأضاف: “لن نشهد تغييراً جذرياً في الحكومة الكوبية، بل مزيداً من القمع، مع تقدم محدود جداً نحو الديمقراطية واقتصاد السوق الحر”.
ويؤدي تشديد الحصار الأميركي على واردات النفط إلى تفاقم الحرمان داخل البلاد، ما يهدد بانهيار المجتمع ويفتح الباب أمام موجة نزوح جماعية قد تتحول إلى أزمة هجرة لإدارة تعهدت بتشديد أمن الحدود.
هل تمتلك إدارة ترامب ورقة رابحة في كوبا؟
ورغم المخاطر والتشكيك الواسع في مغامرات ترامب العسكرية، التي تتناقض مع وعوده بعدم خوض حروب خارجية جديدة، يرى خبراء أن الرئيس الأميركي يحتاج بشدة إلى انتصار يعزز صورته في السياسة الخارجية، بعدما أكد فريقه مراراً أنه أعاد الهيبة إلى الولايات المتحدة، في حين تبدو هذه الصورة مهزوزة نتيجة إخفاقه في إنهاء الحرب في إيران أو النزاع الأوكراني أو الدفع نحو وقف إطلاق النار في غزة.
ويُنظر إلى احتمال أن يصبح الرئيس الذي نجح حيث فشل أسلافه منذ عهد جون كينيدي في إسقاط نظام الزعيم الراحل فيدل كاسترو، باعتباره إنجازاً تاريخياً يسعى ترامب إلى تحقيقه.
كما أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، المنحدر من عائلة مهاجرة من كوبا، لطالما دعا إلى تقويض حكومة هافانا.
ومن شأن تحويل كوبا من خصم إلى حليف أن يعزز ما يُعرف بـ”عقيدة مونرو”، القائمة على تكريس النفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي.
وإلى جانب عملية مادورو، شملت هذه السياسة تقديم عروض إنقاذ مالي للرئيس الأرجنتيني الداعم لتيار “ماغا”، فضلاً عن دعم التيارات اليمينية الشعبوية في المنطقة.
وتبدي الولايات المتحدة منذ عقود قلقاً من عمليات التجسس الكوبية والمراقبة القريبة من سواحلها بدعم روسي وصيني، فيما قد يؤدي إسقاط النظام إلى حرمان موسكو وبكين من حليفين سياسيين مهمين في هافانا.
قمع سياسي واقتصادي
وعانى الكوبيون لعقود من القمع السياسي والاقتصادي، ما يجعل أي تغيير للنظام أملاً لدى البعض بتحقيق حريات سياسية ومستوى معيشي أفضل، رغم أن سجل الإدارة الأميركية يثير تساؤلات بشأن مدى صدقية هذا الطرح.
في المقابل، يواجه ترامب اتهامات بانتهاك القانون الدولي واتباع سياسات قاسية تؤدي إلى تدمير حياة المدنيين.
وكان خبراء في الأمم المتحدة قد حذروا في فبراير من أن الحصار النفطي والعقوبات يهددان إمدادات الوقود الضرورية لتوليد الكهرباء وتشغيل المستشفيات وشبكات المياه ووسائل النقل والإنتاج الغذائي.
لكن روبيو قال، في رسالة مصورة وجهها إلى الكوبيين الأربعاء، إن “السبب الحقيقي وراء انقطاع الكهرباء ونقص الوقود والغذاء هو أن من يحكمون بلدكم سرقوا مليارات الدولارات، ولم يُستخدم شيء منها لمساعدة الشعب”.
وفي المحصلة، لا خلاف على أن الحكومة الكوبية تتبع نهجاً قاسياً وقمعياً، كما هو الحال في إيران، إلا أن النظامين ما زالا قائمين، فيما تبدو الوسائل التي يعتمدها ترامب لتعزيز مكانته التاريخية مكلفة إلى حد بعيد، حتى لو انتهت بتحقيق انتصار سياسي. (آرم نيوز)











اترك ردك