ذكرى التحرير تحت النار.. لبنان أمام امتحان المعادلة الجديدة

لا تأتي ذكرى التحرير هذا العام بالبريق نفسه الذي اعتاده اللبنانيون، بوصفها وقفة وجدانية عند محطة خرج فيها الاحتلال الإسرائيلي من معظم الجنوب في 25 أيار 2000. فالجنوب الذي ارتبط في الذاكرة بصورة الانسحاب لا يزال اليوم تحت وطأة النزوح والدمار والاعتداءات، فيما الهدنة التي يُفترض أن تطوي صفحة الحرب لم تُفضِ بعد إلى استقرار واضح، ولا إلى عودة مكتملة، ولا إلى شعور فعلي بالأمان.

 

المفارقة الأعمق أنّ التحرير الذي كان إنجازًا ميدانيًا واضح المعالم، صار اليوم مرتبطًا بمسارات دبلوماسية تديرها واشنطن، وبجداول أعمال أمنية تُحدَّد مواعيدها بين عواصم بعيدة عن الجنوب جغرافيًا وربما سياسيًا. فتمديد وقف إطلاق النار خمسة وأربعين يومًا، والحديث عن جولات أمنية وسياسية في أواخر أيار ومطلع حزيران، يؤكدان أنّ الملف الجنوبي لم يعد ملفًا ميدانيًا فقط، وإنما تحوّل إلى ورقة مفتوحة فوق طاولات متعددة.

 

في الشكل، يبدو لبنان كأنه يستعيد المناسبة نفسها التي اعتاد إحياءها منذ ربع قرن. أما في المضمون، فالمعادلة تغيّرت كثيرًا. فالتحرير الذي كان عام 2000 عنوانًا لإنجاز عسكري كبير تمثل بانكفاء الاحتلال، بات اليوم موضوعًا لسؤال أكثر تعقيدًا: من يملك قرار حماية ما تحقق؟ ومن القادر على منع الجنوب من التحول مرة أخرى إلى مساحة معلّقة بين حرب لا تنتهي وهدنة لا تكتمل؟

 

هنا تحديدًا تكمن حساسية اللحظة. فقيمة التحرير لا تحتاج إلى إثبات، ولا يمكن إخراجها من الذاكرة اللبنانية، خصوصًا لدى بيئة دفعت أثمان الاحتلال والاعتداءات والحروب. غير أنّ الذكرى، في ظروفها الحالية، تفرض سؤالًا سياسيًا مباشرًا على الجميع: كيف يمكن تحويل التحرير من إنجاز عسكري وشعبي إلى سياسة دولة مستقرة، لا تبقى رهينة موازين القوة ولا تفاوض الآخرين على أرضها من موقع القلق؟

 

 

في خطابه بمناسبة الذكرى، رسم الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الإطار الذي يتمسك به الحزب، وقوامه أنّ السلاح باقٍ ما دامت الدولة غير قادرة على أداء واجبها الدفاعي، وأن لا تفاوض مباشرًا على هذا الملف ولا تنازل عنه خارج استراتيجية دفاعية وطنية واضحة وقابلة للقياس. بمعنى آخر، فإن المعادلة نفسها التي رُسمت في مراحل سابقة تُعاد صياغتها اليوم بلغة تبدو أكثر دفاعية مما كانت عليه في أوقات القوة.

 

هكذا، يحاول حزب الله أن يمنع تحويل ذكرى التحرير إلى مناسبة لمحاصرته سياسيًا، وأن يعيد ربطها بسردية المواجهة التي يعتبر أنها لا تزال مفتوحة ما دامت إسرائيل حاضرة في الأرض والنار والتهديد. غير أنّ قوة هذا الخطاب في بيئته لا تلغي أنّه بات يُختبر اليوم أمام وقائع مختلفة عن تلك التي صنعت لحظة التحرير الأولى. فهذه المعادلة تصطدم هذه المرة بسياق أثقل مما عهده الحزب في مراحل سابقة. الضغط الدولي يتصاعد، والعقوبات تتراكم، والبيئة الداخلية التي كانت تمنح المقاومة هامشًا واسعًا من التأييد الصامت باتت أكثر تعقيدًا بعد أشهر من الحرب والنزوح والخسائر. كما أنّ النقاش حول السلاح لم يعد يدور في فراغ سياسي، وإنما في ظل مسار خارجي يحاول إعادة ترتيب قواعد اللعبة في الجنوب، وربط أي انسحاب أو تهدئة بضمانات أمنية جديدة.

 

 

في المقابل، لا يبدو أنّ خصوم حزب الله قادرون على تقديم إجابة مكتملة أيضًا. فالدعوة إلى حصرية السلاح بيد الدولة تبقى من حيث المبدأ مدخلًا طبيعيًا لأي سيادة مستقرة، لكنها تفقد جزءًا من قوتها حين لا تقترن بتصور عملي لكيفية حماية الجنوب ومنع إسرائيل من تحويل أي فراغ أمني إلى فرصة جديدة. فالدولة المطلوبة اليوم ليست شعارًا في مواجهة الحزب فقط، وإنما مشروع قدرة: قدرة على التفاوض، وعلى الانتشار، وعلى الردع السياسي، وعلى حماية الناس، وعلى منع أي طرف خارجي من فرض جدول أعماله على لبنان.

 

الدولة بين التفاوض والسيادة الناقصة

 

تبدو الدولة في موقع بالغ الحساسية. فهي تتحرك تحت عنوان تثبيت الهدنة وإدارة المسار التفاوضي مع الجانب الأميركي، في مسعى لاستعادة الحضور السيادي في الجنوب، لكنها تعرف أنّ أي اتفاق لا يستطيع أن يصمد إذا ظلّ القرار الفعلي موزعًا بين الجيش وحزب الله والضمانات الأميركية والحسابات الإسرائيلية.وتعرف الدولة في الوقت نفسه أنّ أي ضغط خارجي مبالغ فيه على ملف السلاح، من دون انسحاب إسرائيلي واضح ومن دون ضمانات فعلية، يمنح الحزب مادة إضافية ليقول إنّ ما يُطلب من لبنان ليس بناء الدولة، وإنما نزع أدوات القوة قبل معالجة أسباب المواجهة.

 

لذلك، لا يبدو امتحان الدولة بسيطًا: عليها أن تثبت قدرتها أمام الخارج، وأمام اللبنانيين، وأمام الجنوبيين تحديدًا، من دون أن تتحول إلى واجهة لترتيبات لا تملك وحدها أدوات تنفيذها.من هنا، لا يمكن فصل ذكرى التحرير عن المسار التفاوضي الجاري. فالمسار الأمني المرتقب، والمسار السياسي المقرر مطلع حزيران، لا يبدوان مجرد تفصيلين تقنيين في إدارة وقف النار. إنهما عمليًا محاولة لإعادة تعريف قواعد اللعبة في الجنوب: انسحاب إسرائيلي تدريجي، انتشار أوسع للجيش، رقابة أميركية أشد، وضمانات تريدها إسرائيل قبل أي خطوة. غير أنّ العقدة الكبرى لا تزال لبنانية قبل أن تكون أميركية أو إسرائيلية: هل يستطيع لبنان أن يذهب إلى هذه الطاولة بموقف واحد، أو أنه سيكرر عادته في الذهاب إلى الخارج منقسمًا على نفسه؟

 

الأخطر أنّ إسرائيل تستفيد غالبًا من هذا الانقسام. فهي تواصل التعامل مع الجنوب كمساحة ضغط مفتوحة، وتربط أي انسحاب بضمانات وشروط، وتترك لبنان أمام معادلة صعبة: إما قبول ترتيبات أمنية تحت سقف الضغط، وإما البقاء في دوامة الرد والرد المضاد. وفي الحالتين، يدفع الجنوبيون الثمن الأكبر، من أمنهم ومنازلهم وعودتهم إلى قراهم، فيما يتحول معنى التحرير من صورة خروج الاحتلال عام 2000 إلى سؤال يومي عن القدرة على منع عودته، ولو بأشكال جديدة.

 

لذلك، قد تكون ذكرى التحرير هذه السنة أقل احتفالية وأكثر اختبارًا. فهي تضع حزب الله أمام سؤال الانتقال من شرعية الإنجاز إلى مسؤولية النتائج، وتضع الدولة أمام سؤال إثبات الوجود، وتضع القوى المعارضة أمام سؤال البديل العملي، لا الاكتفاء بالموقف السياسي. فلا السلاح وحده قادر على إنتاج استقرار دائم، ولا الدولة الضعيفة قادرة على إقناع اللبنانيين بأنها تملك بديلًا جاهزًا، ولا الخارج يستطيع أن يصنع سيادة لبنانية إذا بقي الداخل عاجزًا عن الاتفاق على معناها.

 

المفارقة أنّ الجميع يتحدث باسم السيادة، لكن كل طرف يراها من زاوية مختلفة. حزب الله يراها في القدرة على مقاومة إسرائيل ومنعها من فرض إرادتها. خصومه يرونها في حصرية القرار والسلاح والمؤسسات. الدولة تحاول أن تجمع بين العنوانين، لكنها لا تزال تتحرك ببطء، وفي كثير من الأحيان تحت ضغط الوقائع لا وفق رؤية مكتملة. أما الناس، وخصوصًا في الجنوب، فيريدون سيادة أقل تنظيرًا وأكثر قدرة على حماية حياتهم وبيوتهم وأرزاقهم.

 

و من هنا، لا يكفي أن يحيي لبنان ذكرى التحرير كما لو أنّ الزمن توقف عند لحظة عام 2000. فالإنجاز الذي تحقق يومها لا يفقد قيمته، لكنه يحتاج اليوم إلى معنى سياسي جديد، يقوم على منع إسرائيل من استعادة اليد العليا، وفي الوقت نفسه على منع الداخل اللبناني من البقاء رهينة سلاح خارج المؤسسات أو مؤسسات عاجزة عن حماية أرضها.

 

ربما يكون التحدي الأكبر الذي تطرحه ذكرى التحرير هذا العام ألا يبقى لبنان عالقًا بين احتفال لا يطابق الواقع ومحاسبة لا تقدّم حلًا. فالتحرير الذي لا يتحول إلى سيادة فعلية وسياسة دولة مستدامة يبقى مهددًا في كل لحظة، والدولة التي لا تملك أدوات الحماية ولا صلاحية القرار تبقى عاجزة حتى حين تحسن النوايا. وبين هذين العجزين، يقف لبنان اليوم أمام امتحان ليس جديدًا، لكنه بات أكثر إلحاحًا: كيف يصون إنجاز العام 2000 من دون أن يبقى أسير معادلات أفرزتها حقبة لم تعد هي الحقبة الراهنة؟