في المقابل، لا يبدو أنّ خصوم حزب الله قادرون على تقديم إجابة مكتملة أيضًا. فالدعوة إلى حصرية السلاح بيد الدولة تبقى من حيث المبدأ مدخلًا طبيعيًا لأي سيادة مستقرة، لكنها تفقد جزءًا من قوتها حين لا تقترن بتصور عملي لكيفية حماية الجنوب ومنع إسرائيل من تحويل أي فراغ أمني إلى فرصة جديدة. فالدولة المطلوبة اليوم ليست شعارًا في مواجهة الحزب فقط، وإنما مشروع قدرة: قدرة على التفاوض، وعلى الانتشار، وعلى الردع السياسي، وعلى حماية الناس، وعلى منع أي طرف خارجي من فرض جدول أعماله على لبنان.
الدولة بين التفاوض والسيادة الناقصة
لذلك، لا يبدو امتحان الدولة بسيطًا: عليها أن تثبت قدرتها أمام الخارج، وأمام اللبنانيين، وأمام الجنوبيين تحديدًا، من دون أن تتحول إلى واجهة لترتيبات لا تملك وحدها أدوات تنفيذها.من هنا، لا يمكن فصل ذكرى التحرير عن المسار التفاوضي الجاري. فالمسار الأمني المرتقب، والمسار السياسي المقرر مطلع حزيران، لا يبدوان مجرد تفصيلين تقنيين في إدارة وقف النار. إنهما عمليًا محاولة لإعادة تعريف قواعد اللعبة في الجنوب: انسحاب إسرائيلي تدريجي، انتشار أوسع للجيش، رقابة أميركية أشد، وضمانات تريدها إسرائيل قبل أي خطوة. غير أنّ العقدة الكبرى لا تزال لبنانية قبل أن تكون أميركية أو إسرائيلية: هل يستطيع لبنان أن يذهب إلى هذه الطاولة بموقف واحد، أو أنه سيكرر عادته في الذهاب إلى الخارج منقسمًا على نفسه؟
الأخطر أنّ إسرائيل تستفيد غالبًا من هذا الانقسام. فهي تواصل التعامل مع الجنوب كمساحة ضغط مفتوحة، وتربط أي انسحاب بضمانات وشروط، وتترك لبنان أمام معادلة صعبة: إما قبول ترتيبات أمنية تحت سقف الضغط، وإما البقاء في دوامة الرد والرد المضاد. وفي الحالتين، يدفع الجنوبيون الثمن الأكبر، من أمنهم ومنازلهم وعودتهم إلى قراهم، فيما يتحول معنى التحرير من صورة خروج الاحتلال عام 2000 إلى سؤال يومي عن القدرة على منع عودته، ولو بأشكال جديدة.
المفارقة أنّ الجميع يتحدث باسم السيادة، لكن كل طرف يراها من زاوية مختلفة. حزب الله يراها في القدرة على مقاومة إسرائيل ومنعها من فرض إرادتها. خصومه يرونها في حصرية القرار والسلاح والمؤسسات. الدولة تحاول أن تجمع بين العنوانين، لكنها لا تزال تتحرك ببطء، وفي كثير من الأحيان تحت ضغط الوقائع لا وفق رؤية مكتملة. أما الناس، وخصوصًا في الجنوب، فيريدون سيادة أقل تنظيرًا وأكثر قدرة على حماية حياتهم وبيوتهم وأرزاقهم.
و من هنا، لا يكفي أن يحيي لبنان ذكرى التحرير كما لو أنّ الزمن توقف عند لحظة عام 2000. فالإنجاز الذي تحقق يومها لا يفقد قيمته، لكنه يحتاج اليوم إلى معنى سياسي جديد، يقوم على منع إسرائيل من استعادة اليد العليا، وفي الوقت نفسه على منع الداخل اللبناني من البقاء رهينة سلاح خارج المؤسسات أو مؤسسات عاجزة عن حماية أرضها.
ربما يكون التحدي الأكبر الذي تطرحه ذكرى التحرير هذا العام ألا يبقى لبنان عالقًا بين احتفال لا يطابق الواقع ومحاسبة لا تقدّم حلًا. فالتحرير الذي لا يتحول إلى سيادة فعلية وسياسة دولة مستدامة يبقى مهددًا في كل لحظة، والدولة التي لا تملك أدوات الحماية ولا صلاحية القرار تبقى عاجزة حتى حين تحسن النوايا. وبين هذين العجزين، يقف لبنان اليوم أمام امتحان ليس جديدًا، لكنه بات أكثر إلحاحًا: كيف يصون إنجاز العام 2000 من دون أن يبقى أسير معادلات أفرزتها حقبة لم تعد هي الحقبة الراهنة؟











اترك ردك