سيادة تبدأ من الجغرافيا
هذا المنطق مُغرٍ على الورق، لكنّ نجاحه ليس مضمونًا، كما أنه ينطوي على رهان كبير. فالجيش يستطيع أن ينتشر، وأن يدير الحواجز، وأن يثبت حضورًا ميدانيًا، إلا أن السيطرة الحصرية لا تُقاس بعدد الآليات العسكرية فقط. تُقاس أيضًا بمدى قبول البيئة المحلية، وبقدرة السلطة على منع أي التفاف سياسي أو أمني على الانتشار، وبوجود غطاء داخلي واضح لا يترك المؤسسة العسكرية وحيدة في مواجهة تعقيدات الجنوب. من دون هذا الغطاء، قد تتحول “المناطق التجريبية” إلى عبء إضافي على الجيش، بدل أن تكون بداية مسار جديد.
فخّ التنفيذ تحت النار
هنا يصبح التحدي اللبناني مزدوجًا. فمن جهة، تحتاج الدولة إلى إثبات قدرتها على الإمساك بالأرض، لأن أي فشل سيُستخدم ذريعة للقول إن لا بديل عن المعادلات القديمة. من جهة ثانية، لا تستطيع الدولة أن تظهر كأنها تنفذ شروطًا أمنية تحت ضغط النار الإسرائيلية، لأن ذلك سيحوّل أي خطوة ميدانية إلى مادة انقسام داخلي، ويمنح خصومها فرصة تصويرها كطرف في معادلة مفروضة من الخارج.
هذا التوازن شبه المستحيل هو ما سيُحدد صدقية الاتفاق في الأسابيع المقبلة. ولذلك، فإنّ معيار النجاح سيكون مرتبطًا بتسلسل الخطوات، لا بعناوينها فقط. تزامن انتشار الجيش مع وقف فعلي للاعتداءات الإسرائيلية، ومع انسحاب واضح من المناطق المحتلة، زادت فرص تسويق النموذج داخليًا باعتباره استعادة للدولة لا تنازلًا سياسيًا. أما إذا بقيت إسرائيل تضرب، وتمنع عودة السكان، وتحتفظ بمواقعها، فإن “المناطق التجريبية” ستفقد معناها، وستبدو كأنها محاولة لاختبار الدولة داخل مساحة ناقصة السيادة.
لا يدخل لبنان، إذًا، مرحلة استقرار مكتملة. يدخل مرحلة امتحان. فالاتفاق لا يحلّ سؤال السلاح، ولا ينهي الخلاف حول دور حزب الله، ولا يضمن تراجع إسرائيل عن سياسة الضغط العسكري. لكنه يضع أمام الدولة اللبنانية فرصة نادرة لاختبار فرضية طالما قيل إنها مستحيلة: أن تبدأ استعادة القرار الأمني من مساحة محددة، وأن يتحول نجاحها إلى حجة لتوسيع النموذج.
هذا في حدّ ذاته اختبار لم يجتزه لبنان من قبل. أما عبوره بنجاح، فمشروط بغطاء سياسي داخلي لا يترك الجيش مكشوفًا، وضغط أميركي جدّي يمنع إسرائيل من تعطيل التجربة، وتعامل لبناني حذر مع الملف لا يحوّله إلى انتصار لفريق على آخر. بانتظار ذلك، تبقى “المناطق التجريبية” امام احتمالين. قد تبقى مجرد بند عابر في اتفاق هشّ، وقد تتحول إلى بداية مسار جديد. الفارق سيصنعه التنفيذ…










اترك ردك