أما حول المنطقة التجريبية (pilot zone)، فرغم أن الوفد العسكري اللبناني كان قد رفضها خلال مفاوضات الوفود العسكرية في البنتاغون قبل أيام معدودة. وبما أن قائد الجيش متحفظ عن هذه النقطة، رغم أن الوفد المفاوض عاد وأقرها. وارتفع مستوى التوجس مع إعلان البيان الختامي والذي أخذ كثيراً من الأخذ والرد فـعند التحضير لإصدار بيان مشترك، عمد الوفد اللبناني أكثر من مرّة الى شطب وتعديل كثير من العبارات الواردة، وكذلك فعل الوفد الإسرائيلي، وهو ما دفع بالوفد الأميركي إلى اعتماد إخراج غريب، فهو اقترح جمع مطالب ونقاط كل وفد بشكل منفصل في بيان واحد، كون صدور بيان موحد عن الأطراف الثلاثة صعب الحصول. وخلال هذه المفاوضات الشاقة بقيت أربع عواصم على تواصل دائم مع قصر بعبدا: واشنطن والدوحة ولندن عبر وزراء خارجيتهم، إضافة الى الرياض عبر الأمير يزيد بن فرحان. ولكن البيان الذي صدر ومن المفترض أن يكون جامعاً لمطالب الوفود تضمن أفخاخاً كثيرة، وأغفل مطالب لبنانية أساسية، وهو ما رسم علامات استفهام عدة، فهو بدأ بالبند المتعلق بالمنطقة التجريبية، ولم يتضمن إشارة واضحة إلى الإنسحابالإسرائيلي وفق جدول زمني محدد وملزم، ووقف الغارات الجوية، ووقف عمليات النسف والتجريف، والأهم البند المتعلق بإعادة الإعمار وعودة الأهالي إلى قراهم، لذلك جاء البيان بمثابة وضع التزامات واضحة على الجانب اللبناني، في حين ترك معظم المطالب اللبنانية في إطار العموميات. وهذا ما دفع رئيس المجلس النيابي نبيه بري للإعراب عن استيائه أمام الذين التقوه.
ولم تتأخر إسرائيل في الرد عبر بريدها الحربي. فبعد رسائل نارية محدودة استهدفت آليات ومواقع للجيش، عمدت هذه المرّة إلى توجيه رسالة قوية عبر اغتيال ضباط كبار. وكان واضحاً أن الإستهداف كان متعمداً، والرسالة الدموية الإسرائيلية حملت عناوين عدة. أولها، أنها ليست راضية على رفض الجيش للترتيبات الأمنية التي طلبتها، فهي تصرّ على تنسيق دائم ومباشر بين الجيشين، وهو ما رفضه الوفد العسكري خلال مفاوضات البنتاغون. والعنوان الثاني، أنها متمسكة بالمنطقة التجريبية وفق المفهوم الإسرائيلي. والعنوان الثالث، أنها استبقت زيارة قائد الجيش إلى إسلام أباد. لذلك أرادت إسرائيل من خلال اعتداءاتها المتتالية على الجيش القول إن المؤسسة العسكرية اللبنانية لا تتمتع بحصانة تلقائية، وإن الواقع الجديد في الجنوب بات مختلفاً بالكامل عن الماضي، وبالتالي، فإن تحرك أي قوة مسلحة في الجنوب، سيبقى خاضعاً لتقدير إسرائيل الأمني، حتى ولو كانت تلك القوة تابعة للدولة اللبنانية، وهذا التطور يعتبر حساساً جداً. وبذلك تضع إسرائيل السلطة اللبنانية أمام معادلة مفادها: إما أن تثبت قدرتها على فرض ترتيبات أمنية أو أن تستمر الضربات الإسرائيلية بذريعة وجود تهديدات أمنية.
وفي ظل هذه الظروف، ارتفع منسوب التوتر السياسي الداخلي، وتحديداً بين قصر بعبدا و”حزب الله”. ومع التمهيد للجولة الرابعة من المفاوضات تواصل مستشار رئيس الجمهورية أندره رحال بأحمد مهنا طالباً جواب قيادة الحزب حول احتمال إقرار وقف للنار. وكان الرد أن الجواب سيتم إرساله عبر الرئيس بري. وبعد انتهاء الجولة التفاوضية وصدور البيان، اتصل رحال بالنائب حسن فضل الله شارحاً تفاصيلها وطالباً موقف قيادة الحزب. وجاء الجواب في اليوم التالي في الكلمة التي ألقاها الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم. قبل ذلك، كان الرئيس عون قد أرسل رسالة مرنة إلى قيادة “حزب الله”، وذلك إثر صدور العقوبات الأميركية، والتي شملت النائب فضل الله، إذ قال إنه لن يكون هنالك أي تأثير لهذه العقوبات على استقبال فضل الله. لكن التشابك الكبير الحاصل على الساحة اللبنانية بين الأهداف الإسرائيلية وتمسك طهران بحضورها ونفوذها، كل هذا التشابك يدفع بلبنان نحو مزيد من الحماوة وربما لانفجار جديد.












اترك ردك