موقع بريطاني يتحدّث عن طريقة قتال “حزب الله” الجديدة: هذا التهديد الرئيسيّ الذي يُواجهه

ذكر موقع “Middle East Eye” البريطاني أنه “خلال الأسبوع الماضي، أعلنت الحكومتان اللبنانية والإسرائيلية عن اتفاق بوساطة أميركية في واشنطن لتجديد “وقف إطلاق النار” والسعي إلى تسوية “شاملة”. وعلى الرغم من استمرار القصف الإسرائيلي والتوغل العسكري في جنوب لبنان، فإن الشروط لا تتطلب سوى وقف “حزب الله” لهجماته”.

وبحسب الموقع: “بعد مرور ما يقرب من 70 يومًا على دخول “حزب الله” حرب رمضان، وهي أحدث جولة من القتال التي اندلعت في آذار 2026، يمكن للمرء أن يقول بحذر ولكن بوضوح أن الحزب اليوم يختلف اختلافًا كبيرًا عن القوة التي قاتلت في عام 2024، على الأقل في تنظيمه العسكري وجاهزيته الميدانية ومرونته العملياتية. ويستند هذا التقييم إلى مسار القتال وأداء الحركة في الحرب الحالية، وإلى مقارنة مع حرب الإسناد لعام 2023 وحرب الـ 66 يومًا لعام 2024، وإلى الملاحظة الميدانية المباشرة والمحادثات مع الفاعلين السياسيين والقادة والمقاتلين داخل “حزب الله”. ولا يقتصر هذا الاختلاف على المعدات أو الأسلحة أو التكتيكات القتالية، بل يشير إلى إعادة نظر أعمق في آليات القيادة، والعقيدة القتالية، ونشر القوات، وحتى في تعريفات النصر والهزيمة في الحرب؛ فما يحدث في جنوب لبنان اليوم يشبه عملية إعادة بناء تدريجية وتكيف تنظيمي بعد تجربة مكلفة ومرهقة استمرت 30 شهراً، من 8 تشرين الأول 2023 إلى 2 آذار 2026. ومع ذلك، فبينما يوقع قادة لبنان على اتفاق من شأنه نزع سلاح المقاومة دون مطالبة المحتلين بأي شيء، فإن بقاءها قد يعتمد بشكل أقل على ساحة المعركة وأكثر على السياسة الداخلية وهشاشة لبنان نفسه”. 

قوة مُعاد بناؤها

بحسب الموقع: “لعلّ أهمّ تحوّل يكمن في القيادة والسيطرة. فخلال حرب الـ66 يومًا، تمثّلت إحدى نقاط ضعف “حزب الله” الرئيسية في هشاشة شبكة اتصالاته وصعوبة التنسيق بين مقر القيادة والوحدات الميدانية؛ وفي بعض المراحل، أدّى ذلك إلى اضطرابات في عملية صنع القرار، وتأخير في الاستجابة، واستنزاف القدرات القتالية. لكن في الحرب الأخيرة، استمرت العمليات عبر جبهات متعددة في وقت واحد، وظل أداء الوحدات ثابتاً دون انقطاع طويل، وتم الحفاظ على الاتصال بين ساحة المعركة والمقر الرئيسي؛ وهذا يدل على أن الحزب قد نجح إلى حد كبير في إعادة هيكلة آليات الاتصالات والقيادة الخاصة به. وعلى عكس الفترة السابقة، حيث كانت تحركات العناصر تتعرض أحيانًا للاضطراب تحت ضغط الحرب، تبدو هذه العمليات الآن وكأنها تتبع جداول زمنية وأنماطًا محددة مسبقًا. ففي النموذج الجديد، لا يتمثل الهدف الرئيسي في تكثيف العناصر في ساحة المعركة، بل في الحفاظ على مستوى معين من الفعالية القتالية ومنع استنزاف القوات العملياتية. علاوة على ذلك، هناك العديد من المؤشرات على أن “حزب الله”، بعد أن تعلم من تجارب حرب الدعم وحرب الـ 66 يومًا، قد غيّر بشكل جذري هيكل تنظيمه العسكري. في السابق، كان لكل قائد درجة من السلطة والصلاحيات التقديرية؛ أما الآن، فقد ركز الحزب السلطة تحت قيادة موحدة، مما يُسرّع اتخاذ القرارات الحاسمة ويحمي تماسك القيادة. وفي الوقت نفسه، منح “حزب الله” القادة من المستوى المتوسط سلطة عملياتية أكبر، مما يسمح لهم باتخاذ القرارات وفقًا لظروف ساحة المعركة”. 

الجودة أهم من الكمية

بحسب الموقع: “في حرب استنزاف طويلة الأمد ضد عدو يسيطر على الجو ويستهدف القوات والبنية التحتية باستمرار، فإن المنظمة الأكثر نجاحاً هي تلك التي تستطيع الحفاظ على فعاليتها القتالية واستمرار إطلاق النار حتى في حالة تعطل القيادة المركزية؛ ويبدو أن “حزب الله” اليوم يتجه نحو نموذجٍ تُعطى فيه الأولوية للمرونة والقدرة على البقاء واستمرارية العمليات على حساب المركزية المطلقة، وهو نموذجٌ تُعطى فيه الأولوية للمهمة على حساب الهيكل التنظيمي، وقد مكّن هذا بعض الوحدات الميدانية من مواصلة العمل والحفاظ على إطلاق النار تحت ضغطٍ شديد، دون انتظار أوامر مباشرة، بل العمل ضمن أطرٍ محددة مسبقًا. ومن أهم الدروس التي استخلصها الحزب من الحرب السابقة إعادة تقييم كيفية استخدامه للقوى البشرية والأسلحة؛ ويبدو أن المقاومة قد خلصت إلى أن النموذج القائم على حشد القوات، والحفاظ على وجود ميداني واسع النطاق، وتكديس القوة النارية ضد إسرائيل، ليس فقط غير فعال، بل قد يكون مكلفاً للغاية من حيث الخسائر في الأرواح. وبناءً على ذلك، يُعطي الحزب الآن الأولوية للجودة على حساب الكمية. وعلى عكس الفترة السابقة، لم يعد “حزب الله” يفضل نشر قوات كبيرة في مناطق القتال، بل يفضل إبقاء معظم قواته في الاحتياط، وذلك للحد من خسائره ولتوجيه ضربات أكثر فعالية في عمق أراضي العدو”.

حرب استنزاف 

بحسب الموقع: “لكن التغيير الأبرز قد يكمن في العقيدة القتالية. ففي حرب 2024، كان المبدأ الأساسي هو الدفاع عن الأرض ومنع أي تقدم للعدو مهما كلف الأمر، حتى لو أدى ذلك إلى خسائر فادحة. أما اليوم، فتشير الدلائل إلى أن “حزب الله” قد تحول إلى منطق مختلف، يتمثل في إلحاق خسائر متواصلة بالعدو بكل الوسائل الممكنة؛ ويعكس هذا النهج، الذي يرتكز على الاستنزاف التدريجي وتزايد خسائر العدو، إعادة تعريف للنصر والهزيمة في ساحة المعركة. فمنع العدو من ترسيخ موقعه بات أهم من منع احتلاله المؤقت للأراضي. فمن وجهة نظر “حزب الله” الحالية، فإن خسارة جزء من الأراضي قد لا تعني بالضرورة الهزيمة والإذلال؛ فالأهم هو أن العدو لا يستطيع ترسيخ وجوده ويبقى عرضة للاستنزاف المستمر. وبحسب هذا المنطق، حتى السقوط الكامل للمنطقة الواقعة جنوب الليطاني لن يُعدّ بالضرورة هزيمة استراتيجية نهائية”.

ورأى الموقع أن “التهديد الرئيسي الذي يواجه “حزب الله” اليوم ليس بالضرورة ساحة المعركة نفسها، بل الوضع الداخلي الهش في لبنان. فأزمة اللاجئين وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب مساعي بعض الجهات الفاعلة المحلية لتأجيج التوترات السياسية والطائفية، قد تُقوّض أداء الحزب في ساحة المعركة وقدرته على خوض حرب استنزاف ناجحة. لذا، في حين أن علامات تكيف “حزب الله” وإعادة بنائه على أرض المعركة واضحة، فإن استدامة هذا الوضع ستعتمد في نهاية المطاف على ديناميكيات البيئة الداخلية في لبنان، وهي بيئة قد تثبت في النهاية أنها أكثر حسماً من جبهة الحرب نفسها”.