في المرافئ الجنوبية، تبدو آثار الحرب واضحة على القوارب الراسية بلا عمل، وعلى الشباك التي لم تعد تُرمى في البحر كما في السابق. أما الصيادون، فقد وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد فرضته المعارك والتوترات الأمنية، وحرم كثيرين منهم من الوصول إلى مناطق الصيد التي اعتادوا العمل فيها لعقود.
وتشير تقديرات المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان إلى تضرر 26 زورق صيد بشكل مباشر جراء الحرب، بينها 11 زورقاً دُمّرت بالكامل و15 زورقاً أصيبت بأضرار متفاوتة، ما أدى إلى خسائر مباشرة في مصادر دخل عشرات العائلات الساحلية.
لكن الأضرار المادية ليست سوى جزء من الأزمة. فالقطاع يواجه تحدياً أكثر تعقيداً يتمثل في فقدان إمكانية الوصول إلى جزء من المياه الجنوبية التي كانت تشكل مساحة عمل رئيسية للصيادين، نتيجة الواقع العسكري والأمني الذي فرضته الحرب.
تُعد الناقورة من أبرز مراكز الصيد في جنوب لبنان، غير أن واقعها الحالي جعلها عملياً خارج دورة الإنتاج البحري الطبيعية. فالبلدة التي كانت تضم مرفأً يؤمن مصدر رزق لعشرات العائلات، أصبحت تعيش تحت ظروف ميدانية استثنائية، فيما تعرضت القوارب والشباك ومرافق الميناء لأضرار كبيرة خلال الحرب.
ووفق شهادات صيادين، تعرض نحو 13 مركباً للتدمير أو لأضرار جسيمة، فيما فقد كثيرون القدرة على الوصول إلى مراكبهم أو ممارسة نشاطهم المعتاد، الأمر الذي أدى إلى توقف جزء كبير من الحركة الاقتصادية المرتبطة بالمرفأ.
ولا تقتصر تداعيات ذلك على أبناء الناقورة وحدهم، إذ إن خروج أحد أهم مرافئ الصيد في الجنوب من الخدمة انعكس على النشاط البحري في المنطقة بأكملها، وقلّص المساحات المتاحة أمام الصيادين العاملين على طول الساحل الجنوبي.
في مدينة صور وسائر البلدات الساحلية الجنوبية، لم تكن الظروف أفضل بكثير. فالتصعيد العسكري وتحليق الطائرات الحربية والمسيرة فوق الساحل دفعا كثيراً من الصيادين إلى تقليص رحلاتهم أو الامتناع عن الإبحار لمسافات بعيدة.
وباتت مناطق بحرية واسعة تُعامل بحذر شديد، فيما اضطر عدد كبير من الصيادين إلى الاكتفاء بمسافات قريبة من الشاطئ تقل فيها كميات الأسماك وفرص تحقيق مردود اقتصادي مقبول.
هذا الواقع انعكس مباشرة على الدخل اليومي للصيادين، خصوصاً أن معظم العاملين في القطاع يعتمدون على ما يحققونه من بيع الصيد بشكل يومي لتأمين احتياجات أسرهم.
لا تقتصر أهمية قطاع الصيد على القوارب والعاملين في البحر. فالقطاع يرتبط بسلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية تشمل أسواق السمك وتجار المعدات البحرية وورش الصيانة والنقل والتوزيع والمطاعم المرتبطة بالمنتجات البحرية.
ومن هنا، فإن أي تراجع في نشاط الصيد ينعكس على شريحة واسعة من العاملين في الاقتصاد الساحلي، ويؤدي إلى خسائر تتجاوز حدود المرافئ لتطال مجتمعات كاملة تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على هذا النشاط.
كما تأتي الأزمة في وقت يواجه فيه لبنان تحديات متزايدة على صعيد الأمن الغذائي. فبحسب بيانات وزارة الزراعة اللبنانية بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي، يُتوقع أن يواجه نحو مليون ومئتين وأربعين ألف شخص في لبنان مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال عام هذا نتيجة الحرب وتداعياتها الاقتصادية.
وفي ظل تراجع الإنتاج المحلي من الأسماك، يصبح قطاع الصيد جزءاً من معادلة الأمن الغذائي التي تأثرت بصورة مباشرة بالحرب.
قبل الحرب، كان الصيادون يواجهون أصلاً أزمة اقتصادية خانقة نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف التشغيل والصيانة. أما اليوم، فقد أضيفت إلى تلك الأعباء خسائر القوارب والمعدات وتراجع أيام العمل وصعوبة الوصول إلى مناطق الصيد.
لذلك تطالب نقابات الصيادين بخطة دعم شاملة تشمل تعويض المتضررين، وإعادة تأهيل المرافئ البحرية، وتأمين دعم للمحروقات ومستلزمات الصيد، إضافة إلى توفير حماية اجتماعية وصحية للعاملين في القطاع.
فإعادة إعمار الجنوب لا تتعلق بالمنازل والطرقات فقط، وإنما تشمل أيضاً إعادة الحياة إلى البحر. فالحرب لم تحرم الصيادين من جزء من معداتهم فحسب، بل حرمت كثيرين منهم من مصدر رزق توارثته عائلاتهم جيلاً بعد جيل، وحولت البحر الذي كان مساحة للعمل والحياة إلى مساحة انتظار مفتوحة على مستقبل مجهول.











اترك ردك