حلٌّ نهائي… أم “هدنة المونديال”؟!

يتسابق المسؤولون وأجهزة الإعلام إلى توصيف التفاهم الذي يُنتظر توقيعه إلكترونيًا بين واشنطن وطهران “في الأيام القليلة المقبلة” بوصفه “اتفاقًا تاريخيًا” قد يُعيد رسم ملامح المنطقة والعلاقات الدولية. غير أن قراءةً متأنيةً في المعطيات الميدانية والسياسية تدفع إلى استنتاجٍ مغاير: ما يجري ليس سلامًا، بل هدنةٌ مؤقتة تتقاطع فيها مصالح آنية لطرفين متعبَين، يختبر كلٌّ منهما نوايا الآخر ريثما تتبدّل موازين القوى أو تتضح صورة المرحلة المقبلة، لا سيما وأن المواقف المتناقضة التي تصدر من واشنطن وطهران وتل أبيب ترفع منسوب الشك بأن ما يجري قد لا يحمل “نهايةً سعيدة” لحربٍ تعددت أهدافها وتشعبت، من دون أن تكون نهايتها قريبة، أو على الأقل كما يتمنى كل طرف خاضها.


ترامب: انتصارٌ منقوص لا يكفي للتباهي

الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يُكثر من التصريحات والبيانات المتضاربة أحيانًا، يواجه معضلةً بنيوية في تسويق هذا التفاهم داخليًا: فهو لا يستطيع ادّعاء النصر الكامل في مواجهته مع إيران، لأن الهدف الجوهري الذي رُفعت باسمه راية الضغط القصوى والحرب كان “إسقاط النظام الإسلامي” في طهران أو إخضاعه إخضاعًا كليًا. لكن النظام لم يسقط. صحيحٌ أن الضربات العسكرية أوقعت أضرارًا جسيمة، وأن المرشد الأعلى علي خامنئي قد رحل، وأن منظومات دفاعية وبنى تحتية طالها الدمار، إلا أن التركيبة الحاكمة في طهران لا تزال قائمة بشقّيها: السياسي الذي أعاد تموضعه وإنتاج شرعيته، والعسكري المتمثّل في الحرس الثوري الذي لم تُمس قيادته ولا عقيدته. وهكذا يجد ترامب نفسه أمام انتصارٍ منقوص، يستحيل معه رفع لافتة “المهمة أُنجزت” التي طالما أغرته أمام قاعدته الانتخابية، وأكثر من ترداد عبارات “انتصرنا” و”هزمنا إيران”، وغيرها من الشعارات التي يُظهر الواقع عدم صحتها.

إيران: التخصيب خطٌّ أحمر لا مساومة عليه

أما على الضفة الإيرانية، فيبدو من المستبعد جدًا، بل من المستحيل سياسيًا، أن تقبل طهران خلال المهلة المحددة بستين يومًا التخلّي عن حقها في التخصيب النووي أو التفريط بمخزونها من اليورانيوم المُخصَّب. فهذان العنصران لم يعودا ورقة تفاوض عادية، بل باتا يمثّلان في الوعي الاستراتيجي الإيراني الضمانة الوجودية الأخيرة التي تحمي النظام في مواجهة ما تصفه طهران بـ”الضغوط الوجودية”. وفي ظل ما خسرته إيران من أوراق إقليمية، وما أُصيب به نفوذها في أكثر من ساحة، لم يتبقَّ لديها من رافعةٍ صلبة سوى الملف النووي بوصفه درعًا يصون دورها الإقليمي، ويُبقيها حاميةً مُعتبرة للمكوّن الشيعي في المنطقة في مواجهة ما تراه من محاولاتٍ للاستفراد به وتطويقه. ولعل ما يصدر عن مسؤولين إيرانيين يؤكد أن ثمة وجهات نظر متباعدة في قلب القيادة الإيرانية، لا سيما بين الجناح السياسي والجناح العسكري، وما الحملة التي شنّتها وكالة الأنباء الإيرانية على وزير الخارجية عباس عراقجي خير دليل على حالة الضياع التي تمر بها السلطة الإيرانية راهنًا، خصوصًا في ما يتعلق بالملف النووي.

إسرائيل: الهدف الأبعد لم يُنَل

في المقابل، فإن الطرف الثالث في هذه المعادلة، إسرائيل، فهي الأخرى خرجت من هذه الجولة منًدون أن تحقق غايتها القصوى. فقد سعت تل أبيب بكل ثقلها إلى استدراج واشنطن نحو تدمير شامل للقدرات النووية الإيرانية، يُفضي إلى تجفيف منابع تمويل ودعم الأذرع الإقليمية الإيرانية، من “حزب الله” إلى الحوثيين في اليمن، مرورًا بالفصائل المسلحة في العراق وسواها. غير أن ترامب، على ما يبدو، فضّل حسابات مختلفة، ولم يمنح إسرائيل “الشيك على بياض” الذي طالبت به. والنتيجة أن المعادلة الإقليمية لم تتغيّر جذريًا، والخرائط الاستراتيجية لا تزال قابلة لإعادة الرسم في أي لحظة.

“هدنة المونديال”: توقيتٌ يكشف الغاية

ثمة بُعدٌ لا يمكن إغفاله عند قراءة توقيت هذا التفاهم: الولايات المتحدة تستضيف هذا الصيف مباريات كأس العالم لكرة القدم، بما فيها المباراة النهائية الكبرى. ترامب، الذي يُدرك جيدًا قيمة الصورة وقوة التوقيت، يحتاج إلى أجواء هادئة تليق باحتفالية كونية تستقطب الأنظار وتُضخّ من خلالها رسائل القوة الناعمة الأميركية. مهلة الستين يومًا ليست إذًا حدًا زمنيًا للتفاوض الجدي، بل هي “هدنة المونديال”، إذ يكفي أن تصمد حتى تنتهي البطولة، ثم تعود كل الملفات إلى طاولة أكثر تعقيدًا وأقل رومانسية. وكان لافتًا إعلان ترامب عن التوصل إلى تفاهم مع إيران عشية بدء “المونديال”، وقبل ساعات من إطلاق صفارة البداية في المكسيك، ما يدلّل على أن الرئيس الأميركي يرغب في تمرير بطولة كرة القدم بهدوء، وأن مهلة الستين يومًا مهلة مختارة بعناية لتحقيق هذا الغرض.

لبنان: انتظار وقلق

أما لبنان، الذي يجهد المسؤولون فيه في الحديث عن فصل مسار الحرب فيه عن التوقيت الإيراني، فقد أظهرت تطورات الأيام الماضية أن ملفه بات أكثر التصاقًا بما يجري بين واشنطن وطهران من مفاوضات، وأن كل ما قيل عن أن المفاوضات التي يخوضها في واشنطن غير مرتبطة بـ”الصفقة” الإيرانية – الأميركية، بدليل أن الجانب الإيراني أصرّ على أن يكون مفتاح وقف الحرب في الجنوب اللبناني في يد طهران وليس العكس. وبالتالي فإن ما يدور في كواليس مفاوضات واشنطن ما هو إلا “سوق عكاظ” يتبارى فيه الوفدان اللبناني والإسرائيلي على إضاعة الوقت في انتظار ما تسفر عنه المواجهة الأميركية الإيرانية من نتائج: فإن أتت إيجابية يكون الحوار الذي ترعاه أميركا “منتجًا”، وإن فشلت هذه المواجهة يستمر الجدل اللبناني الإسرائيلي من دون طائل.

في الخلاصة، فإن التفاهم الأميركي – الإيراني المرتقب ليس اتفاقًا نهائيًا ينهي عقودًا من العداء، بل هو وقفٌ مؤقت لإطلاق النار تحت سقف الضغط المتبادل: طرفان متعبان، يحتاج كلٌّ منهما إلى استراحة يلتقط فيها أنفاسه، ويعيد ترتيب أوراقه، ويختبر ما إذا كان الطرف الآخر يُضمر ما يُعلن. والأرجح أن الستين يومًا ستمرّ دون اتفاق جوهري، لتبدأ بعدها جولةٌ جديدة من التجاذب، ربما تحت عناوين مختلفة، لكن بالمنطق نفسه الذي يحكم هذا الشرق الأوسط المُعقَّد: لا سلام كاملًا، ولا حربًا نهائية .. وحاسمة !