هل ترسم إسرائيل شروط وقف النار على الأرض؟

فتح الاتفاق الأميركي-الإيراني بابًا واسعًا أمام احتمال انتقال لبنان من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مرحلة التهدئة المضبوطة. لكنّ الأيام التي سبقت تثبيت الاتفاق رسميًا امس ودخوله حيّز التنفيذ، أظهرت أنّ الخطر لا يكمن في النصوص وحدها، إنما في ما قد يُفرض على الأرض.

 
في الجنوب، لا تبدو المسألة متوقفة عند خفض وتيرة النار أو تراجع حدّة الضربات. فما يجري في هذه المرحلة يوحي بأنّ كل طرف يحاول تحسين موقعه قبل الدخول في اختبار التنفيذ . إسرائيل تتحدث عن أمنها وتلوّح بالبقاء في مناطق محددة، و”حزب الله” يربط أي تهدئة فعلية بالانسحاب، فيما تحاول الدولة اللبنانية تثبيت وقف إطلاق النار من دون أن تجد نفسها أمام خريطة جديدة فُرضت عليها بقوة الميدان.
 
من هنا، تبدو المرحلة الحالية أكثر حساسية مما توحي به عناوين التهدئة التي يكثر التداول بها. فالانتقال من الحرب إلى وقف إطلاق النار لا يحصل دفعة واحدة، ولا تقرره البيانات وحدها. أحيانًا، تكون اللحظة التي تسبق التثبيت هي الأخطر، لأنها تسمح برسم الوقائع التي سيُطلب لاحقًا من التفاوض أن يتعامل معها كأمر قائم، وهو ما يبدو أنّ إسرائيل ترغب باستثماره حتى الرمق الأخير.
 
إسرائيل واستثمار الوقت الفاصل

 
تدرك إسرائيل أنّ أي اتفاق لا يكتمل سياسيًا يبقى قابلًا للتأويل. لذلك تسعى، إلى فرض قراءتها الخاصة لمفهوم الأمن جنوبًا. فهي لا تتعامل مع وقف إطلاق النار باعتباره عودة تلقائية إلى ما كان قائمًا قبل الحرب، بل كفرصة لإعادة تعريف الحدود العملية للحركة والانتشار والردع، وقد كرّر قادتها أنّ معادلات جديدة ستحكم المرحلة، ولا عودة إلى ما قبل “طوفان الأقصى”.
 
بهذا المعنى، يصبح الحديث الإسرائيلي عن “مناطق أمنية” أكثر من موقف عابر، إذ يبدو، وفق قراءات متقاطعة، أنه محاولة لتحويل نتائج الحرب إلى شروط ما بعدها. فإذا نجحت إسرائيل في تثبيت وجود أو نفوذ ميداني في نقاط محددة، فإنّ أي تفاوض لاحق لن يبدأ من مطلب الانسحاب الكامل فقط، بل من معادلة أعقد: كيف يمكن تفكيك أمر واقع تم تثبيته تحت عنوان الأمن؟
 
تزداد خطورة هذا المسار لأنّه يجري في ظل ضبابية مقصودة. فلا حرب شاملة كما في الأسابيع الماضية، ولا وقف نار مكتملا يستطيع الناس الاطمئنان إليه. هذه المنطقة الرمادية تمنح إسرائيل هامشًا واسعًا للتحرك، بحيث تواصل تنفيذ ضربات محدودة وتُبقي القرى تحت وطأة الضغط النفسي، فيما توجّه رسائل سياسية إلى الداخل والخارج وتسعى إلى جعل العودة إلى الجنوب مرتبطة بشروط واستحقاقات بدل أن تكون عودة طبيعية وآمنة.
 
الدولة تتحرك في مساحة ضيقة
 
بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، لا يكفي أن يكون وقف إطلاق النار مكتوبًا في اتفاق أو مدعومًا من الخارج. التحدي الفعلي يبدأ عند تحويله إلى وقائع قابلة للحياة، بحيث يترجم إلى انسحاب فعلي وواضح من الأراضي اللبنانية، ويتيح للدولة بسط حضورها الرسمي، ويؤمّن عودة آمنة للنازحين، إلى جانب توفير ضمانات تحول دون استخدام إسرائيل لأي ذريعة تُبقي الجنوب تحت الضغط.
 
غير أنّ هذه المهمة تبدو شديدة التعقيد. فالدولة تحتاج إلى الاتفاق لوقف النزف، وتحتاج في الوقت نفسه إلى ألا يتحول هذا الاتفاق إلى غطاء لترتيب ميداني لا تملك السيطرة عليه. فكلما طال الوقت قبل حسم مسألة الانسحاب، تقلّصت قدرة الدولة على تقديم وقف النار للبنانيين بوصفه نهاية فعلية للحرب، واتسعت المخاوف من أن يكون مجرد انتقال إلى إدارة طويلة للتوتر.
 
في المقابل، يستخدم “حزب الله” ورقة الانسحاب لتأكيد أنّ أي تهدئة لا يمكن أن تكون أحادية. غير أنّ هذا الموقف، رغم أهميته في منع تكريس الاحتلال، يعيد لبنان مرة أخرى إلى قلب التفاوض الإقليمي، بحيث يصبح مصير القرى الجنوبية جزءًا من مسار أكبر يتصل بواشنطن وطهران وتل أبيب، فيما تبقى الدولة مطالبة بإثبات أنها الطرف القادر على ترجمة أي اتفاق داخل حدودها.
 
من هنا، فإنّ الخطر اليوم لا يتمثل فقط في احتمال انهيار وقف إطلاق النار قبل ولادته، إنما في أن يولد الاتفاق مثقلًا بخريطة غير محسومة، حيث تخفّ الضربات من دون أن تنتهي الحرب، ويُطلب من النازحين الانتظار أكثر، وتبقى القرى الجنوبية معلّقة على ضمانات لم تُختبر. ولذلك، فإنّ المعيار الحقيقي لنجاح التهدئة سيكون في قدرة الدولة، بدعم خارجي، على منع تحويل الجنوب إلى مساحة تفاوض مفتوحة.
 
في النهاية، لا يحتاج لبنان إلى تهدئة مؤقتة تعيد ترتيب الخوف. يحتاج إلى وقف نار يفتح طريق العودة، ويعيد القرار إلى الدولة، ويمنع تحويل القرى الجنوبية إلى أوراق في مفاوضات الآخرين. وما سيحصل في الأيام القليلة المقبلة قد يحدد ما إذا كان الاتفاق بداية نهاية الحرب، أو بداية مرحلة جديدة من صراع منخفض الكلفة على الخارج، شديد الكلفة على اللبنانيين.